En

لماذا تلتزم المرجعية الدينية الصمت إزاء أزمة تشكيل الحكومة؟

محمد جاسم الجبوري _ مساعد رئيس مؤسسة غداً لإدارة المخاطر

يُفسِّر بعض المتابعين عدم تدخل المرجعية الدينية العليا في أزمة تشكيل الحكومة بوصفه موقفاً سلبياً أو انسحاباً من المشهد العام. غير أن هذا التفسير يتجاهل طبيعة الدور الذي ترى المرجعية أنه دورها الأصيل، ويتغافل عن حقيقة أن الإشكال القائم اليوم لا يرتبط بندرة التوجيه، بل بندرة الامتثال له.

لقد حدّدت المرجعية، متمثلة بسماحة السيد علي السيستاني (دام ظله)، منذ وقت مبكر معالم الطريق لإدارة الشأن السياسي: احترام الدستور، تحكيم المصلحة العامة، وتقديم معايير الكفاءة والنزاهة على حساب منطق المحاصصة والولاءات الحزبية. غير أن الطبقة السياسية تعاملت مع هذه الإرشادات بوصفها خطاباً أخلاقياً للاستهلاك الإعلامي، لا التزاماً عملياً يُغيِّر من أنماط السلوك وإدارة السلطة. 

من هنا، فإن الانسداد السياسي الراهن ليس أزمة مفاجئة، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من تجاهل تلك البوصلة.

كما أن استدعاء تدخل المرجعية في كل أزمة يحوّلها، من حيث لا يُراد، إلى طرف تعويضي عن فشل النخب السياسية، ويُضعف منطق المسؤولية الدستورية، ويُرسِّخ ثقافة الاتكال على الإنقاذ من الأعلى، بدل مساءلة الفاعلين السياسيين عن إخفاقاتهم.

 لذلك، فإن امتناع المرجعية عن التدخل المباشر في اللحظة الراهنة يُمثّل، في جوهره، موقفاً تربوياً بقدر ما هو سياسي: تحميل الفاعلين مسؤولية خياراتهم ونتائجها.

وفي حسابات المرجعية، لا يُقرأ المشهد العراقي بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. فالتوتر القائم في الإقليم يفرض ترتيباً للأولويات، حيث تُقيَّم المخاطر الاستراتيجية التي تمسّ موقع الشيعة في المنطقة ككل. وفي هذا الإطار، فإن أي تهديد مباشر يطال سماحة السيد علي خامنئي (دام ظله) يُعدّ خطراً ذا أبعاد تتجاوز الساحة العراقية، بما قد يستدعي مقاربة مختلفة من حيث مستوى التدخل والموقف.

على أن امتناع المرجعية عن التدخل لا يعني تحييد نفسها نهائياً عن الشأن الداخلي. فحين يبلغ الخطر مستوى يمسّ الدستور أو يهدد استقرار البلاد والسلم المجتمعي، فإن التدخل يتحول من خيار استثنائي إلى ضرورة تفرضها المسؤولية الوطنية والأخلاقية.

ومن المهم التمييز بين ما فرضته ظروف ما بعد 2003 من تدخلات اضطرارية، وبين الدور الطبيعي للمرجعية في سياق دولة يُفترض أن تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة أزماتها. فقد كان تدخلها آنذاك استجابة لانهيار الدولة وضعف بنيتها المؤسسية، لا نموذجاً دائماً لإدارة الحياة السياسية. واليوم، ومع تقدّم سماحة السيد علي السيستاني ( دام ظله ) في السن، يمكن فهم تقليصه المتعمّد لمساحة التدخل المباشر بوصفه سعياً لإعادة تموضع المرجعية في موقعها الطبيعي كمرجعية دينية وأخلاقية عليا، والحفاظ على مقامها من الاستهلاك السياسي اليومي، فضلاً عن المساهمة في تهيئة البيئة العامة لمرحلة ما بعده ( اطال الله بقاءه ) ، بما يخفف من صدمات الانتقال ويمنع تحميل من سيخلفه توقّعات مبالغاً فيها حول طبيعة دور المرجعية وحدوده.

 

تحميل المقال PDF

تعليقات الزوار