En

تسارع التحول العالمي في الطاقة عام 2025 وسط تأخر خطير في أمن الطاقة

شهد عام 2025 تسارعاً غير مسبوق في وتيرة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، مدفوعاً بتراجع الأسعار، والإصلاحات في سياسات الدعم، وتوسع الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة. إلا أن هذه المكاسب جاءت على حساب أحد أعمدة توازن المنظومة الطاقوية العالمية: أمن الطاقة، الذي لا يزال يعاني من ضعف هيكلي وتحديات متنامية. هذه الفجوة المتزايدة تضع صُنّاع القرار أمام معادلة معقدة تتطلب مقاربة ثلاثية الأبعاد: العدالة، الاستدامة، والأمن.

أولاً: تحسن ملحوظ في العدالة والاستدامة الطاقوية

يسجل "مؤشر تحول الطاقة" (ETI) التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي تحسناً سنوياً بنسبة 1.1%، وهي أسرع وتيرة منذ ما قبل جائحة كورونا. هذا التحسن يعود بشكل رئيسي إلى:

زيادة العدالة الطاقوية بنسبة 2.2% نتيجة انخفاض الأسعار وهيكلة الدعم، مما وسّع نطاق الوصول للطاقة في دول الجنوب العالمي، أبرزها نيجيريا التي قفزت من المرتبة 109 في 2016 إلى المرتبة 61 في 2025.

 تحسن الاستدامة بنسبة 1.2% مع انخفاض كثافة الانبعاثات وزيادة حصة الطاقة النظيفة عالمياً إلى 14.8%. الصين، على سبيل المثال، أصبحت ضمن أول 12 دولة في المؤشر، بفضل استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية والرياح والمركبات الكهربائية.

ثانياً: أمن الطاقة... الحلقة الأضعف

رغم هذا التقدم، لا تزال مكاسب أمن الطاقة محدودة جدًا، إذ لم يتجاوز التحسن السنوي 0.4%، وفقًا لتقرير المنتدى. تشمل نقاط الضعف البنيوية:  الاعتماد المفرط على واردات الوقود الأحفوري، وشبكات كهرباء غير مرنة وغير محدثة، ما يعوق إدماج مصادر متجددة.

وتزايد الطلب على الطاقة بنسبة 2.2% عام 2024، مدفوعًا بنمو مراكز البيانات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والاحتياجات المتزايدة للتبريد في ظل موجات حر قياسية.

يُلاحظ أن أقل من 30% من الدول حققت تقدماً متوازياً في الأبعاد الثلاثة للتحول: العدالة، الأمن، والاستدامة. هذا يفتح الباب أمام أزمات طاقوية محتملة في مناطق غير مستعدة لتحمل الصدمات.

ثالثاً: فجوة في جاهزية البنية التحتية والتنظيم

رغم تحسن الأداء العام للأنظمة الطاقوية، لا تزال الجاهزية الانتقالية – التي تشمل البيئة التنظيمية، الابتكار، والاستثمارات – متأخرة، بنسبة نمو لم تتجاوز 0.8%. ومن أبرز العوامل التي تعرقل الجاهزية:

 تقلبات الأسواق المالية وزيادة الإنفاق الدفاعي تؤثر سلبًا على تدفق الاستثمارات الخضراء.

90% من تمويلات الطاقة النظيفة عام 2024 ذهبت إلى الاقتصادات المتقدمة والصين، بينما تراجعت حصة الدول النامية مثل الهند ونيجيريا رغم احتياجاتها المتزايدة.

رابعاً: المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية

تشير البيانات إلى أن التحول الطاقوي بات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمحددات الأمن القومي والتنافسية الاقتصادية. من أبرز التهديدات:

 السياسات الحمائية والرسوم الجمركية الأميركية التي تُربك سلاسل الإمداد.

ضعف التنسيق العالمي في دعم البنية التحتية الذكية لشبكات الكهرباء.

الاعتماد المتزايد على شبكات رقمية معرضة للهجمات السيبرانية.

خامساً: توصيات استراتيجية لصُنّاع القرار

استناداً إلى المعطيات والتحديات الراهنة، نقترح مجموعة من الأولويات لمراكز صنع القرار الوطني والإقليمي:

1 -  تطوير بنية تحتية مرنة: تحديث شبكات الكهرباء، وتوسيع خيارات التخزين، وإدماج أنظمة رقمية لإدارة الحمل.

2 - توزيع عادل للاستثمارات: تحفيز الشراكات مع المؤسسات المالية لضمان وصول التمويل إلى الدول النامية.

3 -  تعزيز الأمن السيبراني الطاقوي: خصوصًا في ظل نمو الشبكات الذكية والعدادات الرقمية.

4 - راقبة مراكز البيانات: وضع سياسات تنظيمية للطاقة المستهلكة من قبل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

5 - تعزيز التعاون الإقليمي: تطوير تحالفات طاقوية إقليمية لتبادل القدرات ورفع الكفاءة، خاصة في أوقات الأزمات.

خلاصة

يعكس تقرير "المنتدى الاقتصادي العالمي" لعام 2025 فرصة تاريخية لتسريع التحول الطاقوي، لكن من دون معالجة الثغرات الأمنية في المنظومة، فإن الإنجازات الحالية معرضة للانكشاف والانهيار في أي لحظة. تتطلب المرحلة المقبلة تفكيراً استراتيجياً طويل الأمد يدمج الأمن والاستدامة في معادلة واحدة، ويعيد صياغة التعاون الدولي بما يضمن انتقالاً عادلاً وآمناً للجميع.

 

تعليقات الزوار