ضغط جيوسياسي على الاستثمار في العراق
تشهد بيئة الاستثمار في العراق مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد الضغوط الجيوسياسية الإقليمية، بالتزامن مع حالة ترقب حذر لمآلات المفاوضات الأميركية–الإيرانية، وما قد يترتب عليها من إعادة تشكيل لموازين النفوذ في المنطقة. هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على ثقة المستثمرين، ويزيد من احتمالات إعادة تموضع رؤوس الأموال، سواء عبر التجميد أو الخروج التدريجي أو إعادة توجيه الاستثمارات نحو أسواق أكثر استقراراً.
ورغم إعلان الهيئة الوطنية للاستثمار عن تسجيل مشاريع مرخصة تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، فإن التقديرات تشير إلى أن جزءاً مهماً من السيولة الاستثمارية—لا سيما قصيرة الأجل—يبقى شديد الحساسية تجاه المخاطر، مع قابلية للخروج أو إعادة التخصيص تتراوح بين 15% و25% عند أي اضطراب أمني أو سياسي كبير. هذه الفجوة بين حجم الاستثمارات المعلنة والنشاط الفعلي تعكس الطبيعة الهشة للبيئة الاستثمارية، واعتمادها الكبير على الاستقرار السياسي والأمني.
أولاً: تأثير التوترات الإقليمية على الاستثمارات الأجنبية
تشير مؤشرات السوق إلى أن عدداً من الشركات النفطية العالمية، بما في ذلك شركات كبرى مثل إكسون موبيل وبريتيش بتروليوم، بدأت بإعادة تقييم وجودها في العراق أو تقليص حجم عملياتها وكوادرها، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في بعض مناطق الإنتاج، خصوصاً الحقول الجنوبية.
ويأتي ذلك في سياق حساس يتسم بتكرار استهداف بعض المنشآت أو البنى التحتية المرتبطة بقطاع الطاقة، ما ينعكس على استقرار سلاسل التوريد ويزيد من كلفة التشغيل، فضلاً عن إبطاء عمليات التطوير والاستكشاف.
كما تتأثر مشاريع البنية التحتية والنقل المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي يبرز هشاشة المشاريع طويلة الأمد أمام أي اضطراب في البيئة الأمنية.
ثانياً: إعادة تموضع رؤوس الأموال وتراجع شهية الاستثمار
يؤكد عضو مجلس النواب العراقي جمال كوجر أن الاستثمارات في العراق تتسم بحساسية عالية تجاه المتغيرات الأمنية والسياسية، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تشهد «خروجاً تدريجياً لرؤوس الأموال» أكثر من كونها انسحاباً مفاجئاً.
ويشير كوجر إلى أن المستثمرين يتجهون إلى تقليل المخاطر عبر تجميد التوسعات أو تأجيل المشاريع الجديدة، مع إعادة توجيه جزء من رؤوس الأموال نحو أسواق أكثر استقراراً. ويضيف أن «الأموال قصيرة الأجل» هي الأكثر عرضة للتقلب، حيث تتحرك بسرعة استجابة لأي إشارات توتر، وهو ما ينعكس في ارتفاع الطلب على الدولار داخل السوق المحلية.
كما لفت إلى أن بعض الشركات الأجنبية بدأت بسحب كوادرها أو تقليص وجودها كإجراء احترازي، ما يعكس حالة من الحذر المتصاعد في بيئة الأعمال.
ثالثاً: تراجع الثقة وتأثيره على الاقتصاد الحقيقي
من منظور أكاديمي، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة الأنبار علي عبد الهادي أن التحدي الأساسي لا يكمن في حجم الاستثمارات المسجلة، بل في استدامة النشاط الاستثماري الفعلي، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى الاستقرار العام.
ويحذر عبد الهادي من أن انسحاب الشركات أو تقليص عملياتها لا يقتصر أثره على تدفق رأس المال، بل يمتد إلى تعطيل نقل التكنولوجيا، وتأخير تطوير الحقول النفطية، ورفع كلفة الإنتاج، إضافة إلى التأثير على سلاسل التوريد.
كما يشير إلى أن استمرار هذا الاتجاه قد يقود إلى «فقدان ثقة طويل الأمد»، وهو ما يتطلب سياسات تتجاوز الأدوات التقليدية، من خلال توفير ضمانات سيادية حقيقية، وتعزيز بيئة الأعمال، وتقليل الارتباط المفرط بالمتغيرات الجيوسياسية.
رابعاً: تشوهات السوق المحلية وتحولات سلوك السيولة
في قراءة أوسع لتأثير التوترات، يوضح الباحث الاقتصادي مصطفى الفرج أن الخطر لا يقتصر على خروج رأس المال، بل يمتد إلى «تشوه سلوك السيولة داخل الاقتصاد».
ففي ظل عدم اليقين، تميل رؤوس الأموال المحلية إلى التحول من الاستثمار الإنتاجي إلى الاكتناز أو المضاربة، خصوصاً في سوق العملات، ما يؤدي إلى تراجع دوران الأموال داخل الاقتصاد الحقيقي، ويضعف النشاط التجاري والإنتاجي.
ويحذر الفرج من أن هذا التحول ينعكس على سعر الصرف حتى في غياب خروج فعلي واسع للأموال، كما يؤدي إلى تباطؤ النمو في القطاعات غير النفطية مثل العقارات والسياحة والنقل، ما يعمّق اختلال بنية الاقتصاد.
خامساً: الطمأنة الحكومية وقدرات الاستيعاب المالي
في المقابل، يؤكد المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن العراق يمتلك «هوامش أمان مالية وتجارية» قادرة على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية، بفضل قوة الاحتياطيات الأجنبية واستقرار مخزونات السلع الأساسية.
ويشير صالح إلى أن الحكومة تتابع التطورات الإقليمية بشكل مستمر، وتعمل على إدارة المخاطر من خلال الحفاظ على استقرار سعر الصرف وضمان انسيابية التجارة الخارجية.
كما يضيف أن العراق لا يزال يمتلك فرصاً استثمارية كبيرة، خصوصاً في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، إلا أن استعادة الزخم الاستثماري تتطلب قدراً أكبر من الاستقرار الإقليمي، إلى جانب تعزيز الثقة الداخلية وتحسين بيئة الأعمال.
خلاصة
تعكس المعطيات الحالية أن الاقتصاد العراقي يقف عند تقاطع حساس بين فرصة جذب الاستثمارات الكبرى وبين هشاشة البيئة الجيوسياسية المحيطة به. وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى حجم استثماري مرتفع، فإن المؤشرات الفعلية تكشف عن مستوى عالٍ من الحساسية تجاه المخاطر، واعتماد كبير على الاستقرار الأمني والسياسي.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية وعدم اليقين المرتبط بمستقبل العلاقات الأميركية–الإيرانية، تبقى بيئة الاستثمار في العراق عرضة لتقلبات سريعة، ما يفرض ضرورة تبني مقاربات اقتصادية–سياسية متكاملة لتعزيز الاستقرار وتقليل قابلية الاقتصاد للصدمات الخارجية.
تعليقات الزوار