تقرير: فقدان التنوع البيولوجي يشكّل خطراً كبيراً على الاقتصاد العالمي
حذّر تقرير جديد مدعوم من الأمم المتحدة من أن النمو السريع للاقتصاد العالمي يدفع إلى فقدان غير مسبوق للتنوع البيولوجي، ما يشكّل تهديداً منظومياً خطيراً للاستقرار الاقتصادي، والأنظمة المالية، ورفاه الإنسان.
وجاءت هذه النتائج في تقرير تقييمي محوري صدر يوم الاثنين عن المنصة الحكومية الدولية للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (IPBES).
وخلص التقرير إلى أن الأعمال التجارية تعتمد على التنوع البيولوجي، وأنها تسهم — بشكل مباشر أو غير مباشر — في تدهوره.
وحمل التقرير عنوان: «التقرير التقييمي المنهجي بشأن أثر الأعمال التجارية واعتمادها على التنوع البيولوجي وإسهامات الطبيعة للإنسان»، وقد أُقرّ من ممثلي أكثر من 150 حكومة خلال الدورة الثانية عشرة للجمعية العامة لـIPBES التي عُقدت في مانشستر بالمملكة المتحدة.
وبحسب التقييم، فإن حتى الشركات التي تبدو بعيدة عن الطبيعة تعتمد على خدمات النظم الإيكولوجية مثل إمدادات المياه، وتنظيم الفيضانات، وتلطيف المناخ، ومساحات السياحة، والقيم الثقافية.
غير أن العلماء أشاروا إلى أن العديد من الشركات لا تتحمّل كلفة مالية تُذكر مقابل إضرارها بالتنوع البيولوجي، وغالباً ما تفتقر إلى آليات تمكّنها من الاستفادة من النتائج البيئية الإيجابية.
وجاء في التقرير: «تُعدّ الشركات محوراً أساسياً في وقف فقدان التنوع البيولوجي وعكس مساره، لكن الكثير منها يفتقر إلى المعلومات اللازمة لفهم تأثيراته واعتماداته ومخاطره وفرصه».
وأُعدّ التقييم على مدى ثلاث سنوات بمشاركة 79 خبيراً من 35 دولة، وخلص إلى أن بيئة الأعمال الحالية غير متوائمة مع هدف تحقيق مستقبل عادل ومستدام.
وحدّد التقرير الحوافز الضارة، وضعف الأطر التنظيمية، وفجوات البيانات، ونماذج الربح قصيرة الأجل بوصفها عوامل رئيسية لاستمرار تدهور النظم البيئية.
المحركات الرئيسية لفقدان التنوع البيولوجي
ينتج فقدان التنوع البيولوجي عن خمسة محركات أساسية: فقدان الموائل، والأنواع الغازية، والاستغلال المفرط (الضغط الشديد على الصيد البري والبحري)، والتلوث، وتغير المناخ المرتبط بالاحتباس الحراري. وفي كل حالة، يلعب الإنسان وأنشطته دوراً مباشراً.
ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، فإن أكبر محرك لفقدان التنوع البيولوجي هو كيفية استخدام البشر للأراضي والبحار، بما في ذلك تحويل الغابات والأراضي الرطبة وغيرها من الموائل الطبيعية لأغراض زراعية وحضرية.
ومنذ عام 1990، أشار البرنامج إلى فقدان نحو 420 مليون هكتار من الغابات نتيجة تحويلها لاستخدامات أخرى. ولا يزال التوسع الزراعي هو المحرك الرئيسي لإزالة الغابات وتدهورها وفقدان تنوعها الحيوي.
ويُعدّ النظام الغذائي العالمي المحرك الأساسي لفقدان التنوع البيولوجي، إذ تُعدّ الزراعة وحدها تهديداً لأكثر من 85% من أصل 28 ألف نوع مهدد بالانقراض.
كما تؤثر أنشطة مثل استخراج المعادن من قاع المحيطات وبناء المدن والبلدات على البيئة الطبيعية والتنوع البيولوجي.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن إعادة النظر في طرق إنتاج الغذاء واستهلاكه تمثل وسيلة للحد من الضغط على النظم البيئية. كما يمكن للأراضي الزراعية المتدهورة أو المهجورة أن تكون مناسبة لعمليات الاستعادة، بما يدعم حماية واستعادة النظم البيئية الحيوية مثل الغابات والأراضي الخثية والأراضي الرطبة.
نيجيريا: أزمة حادة
في نيجيريا، يواجه التنوع البيولوجي أزمة شديدة، حيث سُجّل تراجع لا يقل عن 40% في الحياة البرية والموائل خلال السنوات الـ25 الماضية. وتشمل المحركات الرئيسية: النمو السكاني السريع، وتجزئة الموائل، والتوسع الزراعي، وقطع الأشجار غير القانوني، والتلوث النفطي.
وبناءً على ذلك، تُعدّ 309 أنواع على الأقل مهددة، ويؤثر هذا الفقدان في الأمن الغذائي وسبل العيش.
التمويل الضار يفوق الإنفاق على الحماية
سلّط تقرير IPBES الضوء على اختلالات صارخة في تدفقات التمويل العالمية. ففي عام 2023، قُدّرت الأنشطة التمويلية العامة والخاصة ذات الأثر السلبي المباشر على الطبيعة بنحو 7.3 تريليونات دولار، منها 4.9 تريليونات دولار من التمويل الخاص، ونحو 2.4 تريليون دولار من الإعانات العامة الضارة بيئياً.
في المقابل، لم يُوجَّه سوى 220 مليار دولار — أي نحو 3% من الحوافز العامة الضارة — إلى حماية التنوع البيولوجي واستعادته.
وقال ستيفن بولاسكي، الرئيس المشارك للتقييم: «يُعدّ فقدان التنوع البيولوجي من أخطر التهديدات التي تواجه الأعمال التجارية، ومع ذلك يبدو في المدى القصير أن تدهور الطبيعة أكثر ربحية من حمايتها، رغم أن الآثار التراكمية قد تتجاوز نقاط تحوّل بيئية تُقوّض الربحية على المدى الطويل».
فجوات البيانات تعيق تحرك الشركات
وجد التقييم أنه رغم توفر أدوات لقياس تأثيرات الشركات على التنوع البيولوجي، فإن معدلات التبنّي لا تزال منخفضة. إذ لا تكشف حالياً أقل من 1% من الشركات التي تُقدّم تقارير عامة عن تأثيراتها على التنوع البيولوجي.
وأظهر مسح لمؤسسات مالية تمثل 30% من القيمة السوقية العالمية أن نقص البيانات الموثوقة والنماذج والسيناريوهات المستقبلية يُعدّ عائقاً رئيسياً أمام دمج المخاطر المرتبطة بالطبيعة في صنع القرار.
ووصف مات جونز، رئيس مشارك آخر للتقييم، التقرير بأنه نقطة تحوّل، قائلاً: «هذا التقييم يبدّد الالتباس الناتج عن تعدد الأطر المتنافسة، ويقدّم وضوحاً حول كيفية انتقال الشركات والمؤسسات المالية من التعهدات الطوعية إلى إجراءات قائمة على العلم».
تجاهل المعارف الأصلية
شدّد التقرير أيضاً على أهمية الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن التنمية الصناعية تهدّد نحو 60% من أراضي الشعوب الأصلية عالمياً، فيما تواجه ربع أراضيهم ضغوطاً شديدة من استخراج الموارد.
وقالت خيمينا رويدا، رئيسة مشاركة للتقييم: «غالباً ما تكون المعارف العلمية ومعارف الشعوب الأصلية معزولة، ما يحدّ من فعالية صنع القرار. ويمكن للتعاون القائم على الاحترام أن يحسّن بشكل كبير إدارة الشركات للمخاطر والفرص المرتبطة بالتنوع البيولوجي».
دعوة إلى عمل جماعي
مع التأكيد على ضرورة تحرك الشركات، شدّد التقرير على أن التغيير التحويلي لا يمكن أن ينجزه القطاع الخاص وحده. ودعا الحكومات والمؤسسات المالية والمجتمع المدني إلى التعاون لتهيئة بيئة تمكينية عبر سياسات أفضل، وأنظمة مالية مناسبة، وإتاحة البيانات، والأعراف الثقافية، وبناء القدرات المؤسسية.
ويعرض التقييم أكثر من 100 إجراء ملموس يمكن اتخاذها للمساعدة في مواءمة النشاط الاقتصادي مع حماية التنوع البيولوجي.
وقالت البروفيسورة رويدا: «الإدارة الرشيدة للتنوع البيولوجي ليست خياراً — إنها ضرورة أعمال»، مؤكدة أن الإفصاح الشفاف والاستراتيجيات الموثوقة ضرورية لتجنب «الغسل الأخضر».
توجيه لتحقيق الالتزامات العالمية
قال ديفيد أوبورا، رئيس IPBES، إن التقرير يوفّر إرشادات حاسمة لتحقيق الالتزامات العالمية ضمن إطار التنوع البيولوجي العالمي، وأهداف التنمية المستدامة، واتفاق باريس للمناخ.
وأضاف لوثاندو دزيبا، الأمين التنفيذي لـIPBES: «الطبيعة شأن الجميع. إن الحفاظ على التنوع البيولوجي واستخدامه المستدام أمران أساسيان للمرونة الاقتصادية والنجاح على المدى الطويل».
تعليقات
وفي تعليقها على التقرير، أوضحت إنغر أندرسن، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن الطبيعة لا تزال من أقل الأسس تقديراً في الاقتصاد العالمي، رغم أنها تدعم النظم الغذائية وسلاسل الإمداد والازدهار طويل الأمد.
وقالت إن IPBES تواصل الريادة وتقديم أدلة مستقلة وموثوقة، مؤكدة أن اتخاذ القرار القائم على العلم ليس خياراً بل ضرورة.
وأضافت: «الوقت ليس في صالحنا، لكن هذا التقييم يقدّم مساراً واضحاً لمواءمة القرارات الاقتصادية مع الواقع البيئي، بما يحقق فوائد دائمة للناس وللكوكب».
من جهته، قال تشو دونغيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، إن الشركات عبر نظم الزراعة والغذاء تعتمد على التنوع البيولوجي وتؤثر فيه بشكل كبير.
ولبناء مستقبل مرن، شدّد على ضرورة تحويل هذه النظم لضمان ما وصفه بـ«الأفضليات الأربع»: إنتاج أفضل، تغذية أفضل، بيئة أفضل، وحياة أفضل، من دون ترك أحد خلف الركب.
وأوضح أن التقييم والإدارة الفعّالة للعلاقة بين «الأفضليات الأربع» والطبيعة تمكّن الشركات من تعزيز مرونتها، ودفع الابتكار، وترسيخ مكانتها كقادة في الاقتصاد العالمي.
وختم بالقول إن لكل شركة على امتداد سلسلة القيمة دوراً في تعزيز الممارسات المستدامة الداعمة للتنوع البيولوجي، مشيراً إلى أن الإجراءات الرئيسية تشمل توسيع الاستثمارات في التقنيات المبتكرة الصديقة للتنوع البيولوجي عبر مراحل الإنتاج والمعالجة والتوزيع والاستهلاك، إلى جانب تطبيق أنظمة قوية لرصد آثار الأنشطة التجارية والإبلاغ عنها.
تعليقات الزوار