استراتيجية التواضع: كيف تُدار الدول الضعيفة بذكاء؟
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تسقط الدول فقط بسبب ضعفها، بل بسبب سوء إدارتها لضعفها.
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين من يفهم السياسة كصراع شعارات، ومن يفهمها كفن إدارة التوازنات.
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت ألمانيا دولة مهزومة، منزوعة السلاح، محاصرة، ومثقلة بالريبة الدولية. ومع ذلك، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تنتقل من عبء أمني إلى ركيزة استقرار في أوروبا.
السر لم يكن في القوة، بل في ما سمّاه هنري كيسنجر: استراتيجية التواضع.
ما معنى التواضع في السياسة؟
التواضع هنا لا يعني التنازل، ولا الانكسار، ولا القبول بالدونية،
بل يعني خفض الخطاب دون خفض الهدف، وتقديم الطمأنينة بدل الاستفزاز، وإدارة المخاوف بدل تحدّيها.
أديناور لم يسأل: كيف أستعيد سيادة ألمانيا فوراً؟
بل سأل سؤالاً أذكى:
كيف أجعل الآخرين يقبلون بعودة ألمانيا دون أن يخافوا منها؟
فبدأ بتفكيك مخاوف فرنسا عبر مشروع الفحم والصلب، واستثمر الدعم الأمريكي دون تحويله إلى تبعية صاخبة، وتعامل مع الاتحاد السوفيتي بحذر يمنع الصدام دون أن يمنحه الهيمنة.
🔆 التشابه مع الحالة العراقية
العراق اليوم، وإن اختلف السياق، يعيش وضعاً بنيوياً قريباً:
دولة خارجة من صراعات طويلة ، سيادة منقوصة ، ساحة تنافس إقليمي ودولي مخاوف خارجية من الداخل العراقي
وانقسام داخلي يُستخدم ذريعة للتدخل .
المشكلة ليست في تعدد الضغوط، بل في طريقة التعامل معها.
في كثير من الأحيان، يتحول الخطاب السياسي العراقي إلى:
لغة تحدٍّ أعلى من القدرة
أو لغة محور تُغلق أبواب التوازن
أو شعارات سيادية لا تملك أدواتها .
وهنا يظهر الدرس الألماني بوضوح:
الدول التي تريد أن تستعيد سيادتها، لا تبدأ بالصدام، بل ببناء الثقة المرحلية.
قواعد استراتيجية يمكن إسقاطها على العراق.
1. السيادة مسار لا قرار : لا تُستعاد دفعة واحدة، بل تُبنى تدريجياً عبر تقليص الذرائع، لا مضاعفتها.
2. طمأنة الخارج لا تعني خيانة الداخل : الدولة الذكية تُطمئن دون أن تتنازل، وتفاوض دون أن تُستفز.
3. إدارة المخاوف أهم من إدارة التحالفات: التحالفات تتغير، أما المخاوف فهي ما يحرّك السياسات فعلياً.
4. الدولة الجسر أقوى من الدولة الساحة: من يضع نفسه رأس حربة، يُستنزف. ومن يحسن التموضع، يصبح ضرورة للجميع.
5. الخطاب الهادئ أداة قوة لا علامة ضعف: في السياسة، ليس من يرفع صوته هو الأقوى، بل من يجعل الآخرين يحتاجون استقراره.
الخلاصة
تجربة ألمانيا تعلّمنا أن الدول لا تُدار بالاندفاع، بل بالتماسك.
وأن التواضع، حين يكون واعياً، ليس تنازلاً، بل استراتيجية عالية الذكاء.
تعليقات الزوار