القوة تحت الرمال: توجهات الاستثمار الأمريكية والصينية في العراق
بقلم: كلير أستريد - محللة جيوسياسية لدى Janes، متخصصة في الاستثمارات الصينية والروسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى
يعد العراق ساحة مركزية للتنافس بين الولايات المتحدة والصين، حيث يسعى إلى الموازنة بين الأمن والإصلاحات التي تقودها واشنطن من جهة، والاستثمارات الصينية السريعة المدفوعة من الدولة في البنية التحتية من جهة أخرى. ومع هيمنة الصين على الاستثمار الأجنبي، يرتبط نجاح العراق بقدرته على دمج خبرة الصين في التنفيذ مع الدعم المؤسسي الأمريكي، بما يضمن الرقابة ونقل المعرفة ومكافحة الفساد لتحقيق تنمية مستدامة في ظل المنافسة بين القوى العظمى.
خلفية مضطربة
منذ إعلان الحكومة العراقية انتصارها على تنظيم داعش في ديسمبر 2017، قامت كل من حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد بمحاولات محددة لجذب الاستثمار. من أمثلة ذلك صندوق "التوطين" الذي أُنشئ في أكتوبر 2024 بالشراكة مع شركة السويدي إليكتريك المصرية لجذب الاستثمارات في المشاريع الاستراتيجية غير النفطية بهدف تنويع الاقتصاد.
على الرغم من عودة الاستقرار نسبياً، ظل التوتر قائماً بسبب جماعات مسلحة شيعية مدعومة من إيران، واحتمال عودة داعش، والتغيرات السياسية في سوريا، بالإضافة إلى الاضطرابات الإقليمية منذ أكتوبر 2023.
تلاقي نماذج الاستثمار الأمريكية والصينية
تختلف نماذج الاستثمار الأمريكية والصينية بشكل كبير؛ إلا أن العراق يمكنه الاستفادة من كلا النموذجين لتعظيم إمكانات التنمية وإعادة الإعمار. يركز الاستثمار الأمريكي على الشفافية والإصلاحات التنظيمية والمشاركة المجتمعية، بينما يركز النموذج الصيني على السرعة في إنجاز المشاريع الضخمة عبر رأس المال الموجه من الدولة مع شروط سياسية محدودة.
اقتصادياً، غالباً ما تشمل الاستثمارات الأمريكية شراكات بين القطاعين العام والخاص وتحرير السوق، بينما يتم توجيه الاستثمارات الصينية عبر شركات مملوكة للدولة وقروض تفضيلية، كما في صفقات النفط مقابل البنية التحتية في العراق.
الاستراتيجية الأمريكية: الأمن والإصلاح ثم الاستثمار
منذ الغزو الأمريكي عام 2003، تبنت واشنطن نهجاً متعدد الجوانب في العراق يشمل إنشاء قواعد عسكرية لدعم الحكومة الجديدة ومهمات مكافحة الإرهاب، مع الاعتماد على مؤسسات التنمية مثل البنك الدولي ووكالة USAID لتقديم الدعم والإغاثة عبر برنامج العراق للإغاثة السريعة (IRAP). كما دعمت الولايات المتحدة قروض صندوق النقد الدولي لإعادة الإعمار مع تشجيع الإصلاحات المالية.
مع الانتصار على داعش، بدأت الشركات الأمريكية مثل Baker Hughes وGE Power في ضخ استثمارات كبيرة في شبكة الطاقة العراقية، بما في ذلك إعادة تأهيل محطة القدس لتوليد 125 ميغاواط، وتحسين أداء 46 توربين غازي في 12 محطة. كما شاركت الشركات الأمريكية في تطوير حقول النفط مثل نهر بن عمر في جنوب العراق، المتوقع أن ينتج 300 ألف برميل يومياً و700 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، مع إشراك الشركات العراقية المحلية في هذه المشاريع.
الاستراتيجية الصينية: البنية التحتية بلا تدخل
استثمرت الصين في العراق رغم عدم استقراره، مستفيدة من فرص الوصول إلى النفط والبنية التحتية الاستراتيجية. منذ عام 2015، استثمرت شركات صينية أكثر من 10 مليارات دولار في العراق ضمن مبادرة الحزام والطريق، مع تصدير العراق نحو الصين معظم نفطه الخام.
اشترت الشركة الوطنية الصينية للنفط (CNPC) أولى تراخيص النفط بعد الغزو الأمريكي، وفازت بعقود كبيرة مثل تطوير حقل العهدب بقيمة 3.5 مليار دولار عام 2008، كما استثمرت في الطرق والاتصالات والتعليم. وشركة هواوي استثمرت في البنية التحتية للاتصالات والطاقة الشمسية وتعليم الكوادر العراقية في الجامعات العراقية والإقليمية.
في 2019، وقعت بغداد صفقة بنية تحتية مقابل النفط لمدة 20 عاماً بقيمة 10 مليارات دولار، تلتها صفقة في 2021 لتمويل 1000 مدرسة مقابل النفط، مع سيطرة الشركات الصينية على 7.27% من مشاريع النفط والغاز في العراق، مقارنة بأقل من 2% للشركات الأمريكية.
تتميز الصين بتأكيدها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، ما يمثل ميزة استراتيجية تمنحها تفوقاً نسبياً على الولايات المتحدة في جذب الاستثمارات.
المستقبل: قرارات حاسمة
يمتلك العراق القدرة على الاستفادة من كلا النموذجين عبر استخدام تسليم البنية التحتية السريع من الصين لتلبية الاحتياجات الحيوية، مع الاستفادة من الشراكات الأمريكية لتعزيز القدرات المؤسسية وتحسين الشفافية ودعم ريادة الأعمال. لتحقيق ذلك، يجب على الحكومة تطوير استراتيجية وطنية واضحة للاستثمار، وضمان نقل المعرفة، وإنشاء هيئة خاصة لمكافحة الفساد في المشاريع الممولة من الخارج، وربما تأسيس صندوق ثروة سيادي لضمان الاستقرار الاقتصادي وتحسين الخدمات الاجتماعية وزيادة الثروة الوطنية من عائدات النفط للأجيال القادمة.
إذا نجحت الاستراتيجية، يمكن أن يصبح العراق نموذجاً للدول الأخرى في كيفية التوازن بين الولايات المتحدة والصين بطريقة "مكسب-مكسب". ويظل عدم وجود تاريخ عسكري مثير للجدل للصين في العراق، على عكس الولايات المتحدة، ميزة كبيرة تؤثر في كيفية اتخاذ الحكومة العراقية قراراتها بشأن النموذج الاستثماري الأكثر موثوقية لتحقيق التنمية المستدامة.
تعليقات الزوار