هل تتراجع واشنطن عن احتجاز الكربون؟

مؤسسة غداً لإدارة المخاطر (متابعات)

تُعد الولايات المتحدة اليوم الدولة الرائدة عالمياً في مجال إدارة الكربون، مع قدرة مثبتة لاحتجاز أكثر من 20 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، أي ما يعادل قرابة نصف القدرة العالمية. ويشمل هذا القطاع تقنيات التقاط الكربون من المصادر الصناعية (CCUS)، أو إزالته مباشرة من الغلاف الجوي (CDR).

لكن هذه الصدارة باتت مهددة، نتيجة تراجع السياسات الداعمة محلياً وتسارع جهود المنافسين دولياً، ما يعيد فتح النقاش حول ضرورة التمسك بموقع الريادة التكنولوجية في مجال يشكل مستقبلًا لصناعات الطاقة والمناخ على حد سواء.

فرصة استراتيجية للنمو الصناعي والتصدير

تُظهر تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية (DOE) أن توسيع قدرات الاحتجاز إلى ما بين 500 و1200 مليون طن سنويًا قد يضيف ما بين 75 إلى 110 مليار دولار إلى الناتج المحلي حتى 2030، مع إمكانية نمو هذه القيمة إلى أكثر من 1.5 تريليون دولار بحلول 2050. كما يقدّر أن هذه التوسعة ستخلق ما يصل إلى 3 ملايين سنة عمل مباشرة في مختلف مراحل سلسلة القيمة، لا سيما في بناء وتشغيل منشآت الاحتجاز.

في المقابل، يشير تقرير للوكالة الدولية للطاقة إلى أن تحقيق الحياد الكربوني عالمياً بحلول 2050 يتطلب احتجاز نحو 7.6 مليار طن من الكربون سنوياً، ما يعزز فرص الولايات المتحدة لتكون مصدراً رئيسياً للتقنيات والمواد والخدمات المتعلقة بهذا القطاع.

التحدي: تكاليف مرتفعة وسلاسل توريد معقدة

يشكل مرحلة الاحتجاز الجزء الأكبر من تكلفة مشاريع CCUS، إذ تمثل حتى 90% من الكلفة الإجمالية لكل طن محتجز، بحسب دراسات لمعهد Global CCS. وتتركز هذه التكاليف في معدات رئيسية مثل الأبراج الماصة والمراجل الحرارية (reboilers)، والتي تستهلك الجزء الأكبر من الطاقة التشغيلية.

ورغم أن سلاسل الإمداد المحلية لتقنيات الاحتجاز تبدو أقل عرضة للمخاطر مقارنة بتقنيات أخرى (مثل البطاريات أو الألواح الشمسية)، إلا أن الحاجة إلى ابتكار مواد وعمليات أقل استهلاكًا للطاقة تبقى ملحّة لتقليص التكاليف وجعل القطاع قادرًا على المنافسة العالمية.

المنافسة تتصاعد: الصين وأوروبا تتحركان بسرعة

الصين: بات لديها أكثر من 100 مشروع تجريبي لاحتجاز الكربون، نصفها قيد التشغيل بإجمالي قدرة تفوق 6 ملايين طن سنويًا. كما سجّلت %73 من براءات الاختراع العالمية في المجال خلال 2022، مما يعكس تقدمها السريع نحو التوسع الصناعي والتجاري.

أوروبا: أعلنت في 2024 عن استراتيجية صناعية لاحتجاز الكربون، تستهدف رفع القدرة التخزينية من 3 إلى 50 مليون طن سنوياً بحلول 2030، بدعم من تشريعات مناخية واستثمارات بنى تحتية وتحفيزات للقطاع الخاص.

في المقابل، قررت وزارة الطاقة الأمريكية مؤخراً إلغاء منح بقيمة 3.7 مليار دولار كانت مخصصة لمشاريع نزع الكربون الصناعي، مما أثار القلق بشأن تراجع الالتزام السياسي.

توصيات سياسية عاجلة للحفاظ على الريادة

يقترح مركز الدراسات ثلاث خطوات حاسمة لتعزيز تنافسية الولايات المتحدة:

إزالة العقبات أمام مشاريع احتجاز الكربون في مصانع الإيثانول، عبر تسهيل التصاريح وتحسين التواصل المجتمعي. هذه المشاريع جاهزة فنيًا وتوفر فرصًا لبناء بنى تحتية كربونية مشتركة تخدم قطاعات أخرى لاحقًا.

ربط تقنيات الاحتجاز باحتياجات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، عبر تشجيع استخدام CCS في محطات الطاقة المخصصة لهذه المنشآت عالية الطلب على الطاقة النظيفة.

وضع استراتيجية تصديرية لتقنيات الاحتجاز، بتفعيل دور مؤسسات مثل بنك التصدير والاستيراد (EXIM) ومؤسسة تمويل التنمية (DFC) لدعم الأسواق الناشئة في البرازيل، وأوروبا، وجنوب شرق آسيا.

خلاصة

ما زالت الولايات المتحدة تملك المقومات للحفاظ على تفوقها في مجال احتجاز الكربون، لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية واضحة، وتمويلاً مستداماً، واستراتيجية صناعية ذات أفق عالمي. فالفائز في سباق الكربون لن يحصد فقط مكاسب مناخية، بل هيمنة صناعية واقتصادية على مستقبل الطاقة النظيفة.

تعليقات الزوار