اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: تداعيات استراتيجية على قطاعي الطاقة والدفاع

صفقة التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تم التوصل إليها في 27 يوليو 2025، تمثل تحولاً محورياً في العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، مع تداعيات بعيدة المدى على أسهم قطاعات الطاقة والدفاع.

وبفضل تفادي حرب تجارية محتملة وتثبيت تعريفات جمركية أساسية بنسبة 15% على البضائع الأوروبية، أسّس الاتفاق إطاراً مستقراً يتيح للشركات الأميركية الاستفادة من مشتريات أوروبية في مجال الطاقة بقيمة 750 مليار دولار واستثمارات في الصناعة الأميركية بقيمة 600 مليار دولار.

هذه الالتزامات لا تقلل فقط من مخاطر الرسوم الجمركية، بل تعيد أيضاً تشكيل سلاسل التوريد العالمية، ما يمنح المستثمرين فرصة استثنائية لجني أرباح قصيرة الأمد في أسهم الطاقة والدفاع.

قطاع الطاقة: دفعة قوية للغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة

التزام الاتحاد الأوروبي بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة يمثل نقطة تحول لشركات التصدير الأميركية. هذا الالتزام، الذي جاء في إطار سعي أوروبا لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي والتوافق مع أهداف أمن الطاقة الأميركية، أدى بالفعل إلى ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي المسال (LNG).

شركات مثل "شينير إنرجي" (Cheniere Energy) و"نيكست إيرا إنرجي" (NextEra Energy) هي المستفيدة الكبرى. "شينير"، التي تُشغّل أكبر محطات تصدير للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، في طريقها لتوقيع عقود طويلة الأجل مع المشترين الأوروبيين، بينما خبرة "نيكست إيرا" في الطاقة المتجددة تؤهلها لقيادة مشاريع الهيدروجين الأخضر وتخزين البطاريات ضمن قانون الصناعة الصفرية الأوروبي.

خفض التعريفات الجمركية على صادرات الطاقة الأميركية يعزز أيضاً ربحية هذه الشركات. فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر سهم "شينير" بنسبة 22% منذ الإعلان عن الصفقة، ما يعكس ثقة المستثمرين بتدفقاتها النقدية المستقبلية.

مع ذلك، لا يخلو قطاع الطاقة من المخاطر؛ فشركات الطاقة الأوروبية مثل "توتال إنرجيز" و"سيمنز إنرجي" تُسرّع شراكاتها في أفريقيا والشرق الأوسط لتقليل الاعتماد على الواردات الأميركية، وهو ما قد يضعف الطلب على الصادرات الأميركية على المدى الطويل. ينبغي على المستثمرين مراقبة مدى تقدم الاتحاد الأوروبي في تنويع مصادره ووتيرة تطوير البنية التحتية الأميركية، خاصة توسيع محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال.

قطاع الدفاع: طفرة في المشتريات وتعزيز للقدرة الصناعية

التزام الاتحاد الأوروبي بشراء معدات عسكرية وسلع صناعية أميركية بقيمة 150 مليار دولار يُعيد تشكيل المشهد الدفاعي. شركات مثل "لوكهيد مارتن" و"رايثيون" ستستفيد من زيادة الطلب على أنظمة الدفاع المتطورة، إذ تعتبرها الولايات المتحدة شريكاً رئيسياً في تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، خاصة في مجالات الأسلحة الفرط صوتية، والأنظمة الفضائية، والأمن السيبراني.

كما يعالج الاتفاق التجاري توترات طويلة الأمد في قطاعات حرجة. فمثلاً، فرض الاتحاد الأوروبي تعريفات بنسبة 25% على الطائرات الأميركية، ما عزز من حصة "إيرباص" في السوق، في حين واجهت "بوينغ" تحديات محلية. غير أن إزالة التعريفات الانتقامية على الصلب والألمنيوم الأميركي – وهما مادتان أساسيتان في التصنيع الدفاعي – خفضت التكاليف لشركات مثل "أرسيلور ميتال" و"نيوكور". وقد أدى نظام الحصص هذا إلى بيئة تجارية يمكن التنبؤ بها، تسمح لمقاولي الدفاع بزيادة الإنتاج دون تعطيل سلاسل التوريد.

كما أن الاستثمارات الأوروبية في البنية التحتية التكنولوجية الأميركية – بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والمشاريع الرقمية – قد تفتح آفاق تعاون عابر للحدود لشركات مثل "هانيويل" و"نورثروب غرومان".

إعادة تشكيل سلاسل التوريد وفرص الاستثمار

الاستثمار الأوروبي البالغ 600 مليار دولار في الصناعة الأميركية ليس مجرد خطوة تجارية، بل هو تحول هيكلي يركز على التصنيع المتقدم والبنية التحتية الحيوية والقطاعات التكنولوجية، مع تقليل الاعتماد على الموردين من الأطراف الثالثة.

على سبيل المثال، يتماشى الاستثمار الأوروبي في الهيدروجين الأخضر وتخزين البطاريات مع أهداف إزالة الكربون الأميركية، ما يخلق علاقة تكاملية في مجال الطاقة النظيفة.

في مجال التصنيع، من المتوقع أن يسرّع شراء الاتحاد الأوروبي للسلع الصناعية الأميركية من توجهات إعادة التوطين الصناعي (nearshoring). وقد بدأت شركات أوروبية مثل "ABB" و"سيمنز" بنقل منشآت الإنتاج إلى الولايات المتحدة لتلبية الطلب، وهو ما قد يعود بالنفع على الموردين الأميركيين للمعدات والقطع. يمكن للمستثمرين التفكير في صناديق المؤشرات (ETFs) مثل صندوق "Select STOXX Europe Aerospace & Defense" للاستفادة من هذا الاتجاه.

أما مكوّن البنية التحتية من هذا الاستثمار فهو أيضاً بالغ الأهمية؛ إذ يُظهر التزام الاتحاد الأوروبي بتسريع تصاريح المشاريع الصفرية الانبعاثات ومزادات "بنك الهيدروجين" تركيزاً طويل الأمد على إزالة الكربون، ما يصب في مصلحة الشركات الأميركية العاملة في تطوير شبكات الكهرباء وتخزين الطاقة مثل "بلوم إنرجي" و"فلور كوربوريشن".

تخفيف المخاطر والتموضع الاستراتيجي

رغم أن الصفقة التجارية تقلل من مخاطر الرسوم الجمركية الفورية، على المستثمرين أن يبقوا يقظين تجاه التوترات الجيوسياسية. فـ"أداة مكافحة الإكراه" الأوروبية، واحتمال فرض تعريفات مضادة على السلع الأميركية، تبقى واردة في حال لم يتم تنفيذ الاتفاق بالكامل. ومع ذلك، فإن الموعد النهائي في 1 آب/أغسطس لتثبيت هيكلية التعريفة الجمركية بنسبة 15% قد أدى بالفعل إلى استقرار الأسواق وتقليل التقلبات بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات.

للمستثمرين، تكمن الاستراتيجية في الموازنة بين الانكشاف على قطاعي الطاقة والدفاع. فعلى سبيل المثال، توفر أسهم الطاقة مثل "شينير" و"نيكست إيرا" نمواً مرتفعاً ولكنها تتأثر بتقلبات أسعار السلع. أما أسهم الدفاع فتُوفّر تدفقات نقدية مستقرة، ولكنها تتأثر بقيود الميزانية. يمكن لمحفظة متنوعة تضم كلا القطاعين، بالإضافة إلى صناديق مثل "iShares Global Clean Energy ETF (ICLN)"، أن توفّر تحوّطاً ضد المخاطر القطاعية مع الاستفادة من الطفرة التجارية عبر الأطلسي.

الخلاصة

اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هو أكثر من مجرد تسوية جمركية؛ إنه إعادة تموضع استراتيجية لسلاسل التوريد في مجالي الطاقة والدفاع، تضع الشركات الأميركية في موقع نمو مستدام. من خلال تأمين المشتريات الأوروبية وتدفقات الاستثمارات، خلق الاتفاق بيئة مواتية لمصدّري الطاقة ومقاولي الدفاع. المستثمرون الذين يُعيدون تشكيل محافظهم وفقاً لهذه الاتجاهات، مع مراقبة المخاطر الجيوسياسية، سيكونون في موقع مثالي للاستفادة من المرحلة القادمة من التكامل الاقتصادي عبر الأطلسي.

 

تعليقات الزوار