تقرير: وكالة الطاقة الدولية تحذر من تصاعد مخاطر المعادن الحرجة وتهديدها للصناعات العالمية
حذرت وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقريرها السنوي "التوقعات العالمية للمعادن الحرجة 2026" من أن المخاطر المرتبطة بإمدادات المعادن الاستراتيجية لم تعد قضية مستقبلية، بل تحولت إلى تهديد اقتصادي مباشر، نتيجة تركز عمليات التكرير في عدد محدود من الدول، واتساع نطاق القيود على الصادرات، وتراجع الاستثمارات في القطاع.
وأكد التقرير أن النقاش العالمي لم يعد يقتصر على حجم الإنتاج المتوقع من المعادن الحرجة، بل بات يتركز على قدرة الصناعات العالمية على الحصول على إمدادات مستقرة وموثوقة من هذه المواد، التي أصبحت عنصراً أساسياً في الاقتصاد الرقمي والصناعات الحديثة.
المعادن الحرجة.. العمود الفقري للصناعات الحديثة
وأوضح التقرير أن المعادن الحرجة تدخل اليوم في تصنيع معظم المنتجات والتقنيات الحديثة، بدءاً من الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والتلفزيون، مروراً بالسيارات والمعدات الطبية وشبكات الكهرباء، وصولاً إلى مراكز البيانات التي تدعم الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأشار إلى أن العديد من هذه الصناعات تعتمد على معادن متخصصة لا تتوفر لها بدائل عملية، فيما تتركز سلاسل إنتاجها وتكريرها في عدد محدود من الدول، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في المناجم أو المصافي أو عمليات التصدير ينعكس سريعاً على الصناعات العالمية، من خلال ارتفاع التكاليف وتأخر الإنتاج ونقص المكونات.
ارتفاعات قياسية في أسعار المعادن
ورصد التقرير موجة صعود حادة في أسعار عدد من المعادن خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026، إذ:
ارتفعت أسعار الألمنيوم والنحاس والقصدير بنحو 33%.
تضاعفت أسعار الليثيوم أكثر من مرتين بفعل الطلب القوي على أنظمة تخزين الطاقة.
قفزت أسعار الكوبالت بنحو 130% بعد فرض جمهورية الكونغو الديمقراطية قيوداً على صادراته.
ارتفعت أسعار التنغستن إلى نحو ستة أضعاف نتيجة تشديد القيود التجارية وتراجع الإمدادات.
ورغم هذه الارتفاعات، أوضح التقرير أن نمو الإنتاج خلال عام 2025 حافظ على وجود فائض نسبي في معظم أسواق المعادن المستخدمة في الطاقة، إلا أن مصدر القلق الرئيسي يتمثل في استمرار تدفق هذه الإمدادات إلى الصناعات العالمية وليس في حجم الإنتاج فقط.
الصين وإندونيسيا تهيمنان على عمليات التكرير
وأكد التقرير أن الصين وإندونيسيا عززتا هيمنتهما على قطاع تكرير المعادن الحرجة خلال العامين الماضيين.
فقد استحوذت إندونيسيا على معظم نمو تكرير النيكل، بينما استحوذت الصين على غالبية عمليات تكرير المعادن الأخرى، بما في ذلك المنغنيز والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة، لتشكل الدولتان أكثر من 75% من نمو الإمدادات العالمية المكررة.
وأشار التقرير إلى أن السياسات الغربية والاستثمارات التي أُطلقت خلال السنوات الأخيرة لم تنجح حتى الآن في تقليص الاعتماد على الصين وإندونيسيا، بل إن حصتهما في السوق العالمية واصلت الارتفاع.
واستثنى التقرير قطاع العناصر الأرضية النادرة، حيث ساهمت مشاريع جديدة في الولايات المتحدة وزيادة الإنتاج في ماليزيا في خفض حصة الصين بشكل محدود.
قيود التصدير تهدد صناعات بتريليونات الدولارات
وحذر التقرير من أن القيود المفروضة على صادرات المعادن بدأت بالفعل في إرباك الصناعات العالمية.
وأوضح أن القيود الصينية على تصدير سبعة عناصر أرضية نادرة ثقيلة خلال عام 2025 دفعت بعض شركات صناعة السيارات إلى تقليص الإنتاج أو تعليق عملياتها مؤقتاً.
وتقدّر الوكالة أن استمرار هذه القيود قد يعرض إنتاجاً صناعياً سنوياً بقيمة 6.5 تريليون دولار خارج الصين للخطر، بينما قد يؤدي توقف تجارة الجرافيت المستخدم في البطاريات إلى تهديد إنتاج صناعي تتجاوز قيمته 300 مليار دولار سنوياً.
النزاعات الجيوسياسية تزيد الضغوط
ولفت التقرير إلى أن المخاطر لا تقتصر على السياسات التجارية، إذ ساهمت التوترات والصراعات في الشرق الأوسط في تعطيل إمدادات الألمنيوم والكبريت والهيليوم، الأمر الذي انعكس على تكاليف عمليات التكرير والصناعات التحويلية.
فجوات مستقبلية في النحاس والليثيوم
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية استمرار نمو الطلب على جميع المعادن المستخدمة في قطاع الطاقة حتى عام 2040.
ورغم دخول مشاريع جديدة حيز التنفيذ، فإن التقرير يتوقع استمرار وجود عجز في إمدادات النحاس والليثيوم حتى عام 2035، وإن كان بوتيرة أقل، فيما أدى قرار جمهورية الكونغو الديمقراطية فرض حصص تصدير إلى ظهور فجوة جديدة في سوق الكوبالت.
تراجع الاستثمارات يثير القلق
وأشار التقرير إلى أن الاستثمارات العالمية في قطاع المعادن الحرجة انخفضت بنسبة 9% خلال عام 2025، منهيةً عدة سنوات من النمو المتواصل.
كما تراجعت موازنات الاستكشاف بأكثر من 10%، في حين خفضت شركات معادن البطاريات إنفاقها الرأسمالي بأكثر من 20%، ووصلت التخفيضات لدى منتجي الليثيوم إلى نحو 40%.
وأرجعت الوكالة هذا التراجع إلى تقلب الأسعار، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وعدم وضوح السياسات الحكومية، إلى جانب التطورات السريعة في تقنيات البطاريات.
الحكومات تسد فجوة التمويل
وفي ظل تراجع الاستثمارات الخاصة، رفعت الحكومات تدخلها في تمويل القطاع، حيث بلغت تعهدات التمويل العام في الاقتصادات المتقدمة نحو 65 مليار دولار خلال عام 2025، أي أكثر من أربعة أضعاف مستويات عام 2023.
إلا أن التقرير أوضح أن جزءاً كبيراً من هذه التعهدات لم يتحول بعد إلى استثمارات فعلية على أرض الواقع.
الحاجة إلى المصافي والتصنيع
وأكد التقرير أن أغلب المشاريع الجديدة تتركز في التعدين، بينما لا تزال الاستثمارات في المصافي والمنشآت الصناعية اللازمة لتحويل الخام إلى منتجات قابلة للاستخدام أقل بكثير من المطلوب.
وأشار إلى أن الطاقة المخطط لها لإنتاج مغناطيس العناصر الأرضية النادرة وكاثودات البطاريات لا تتجاوز ثلث الطاقة الإنتاجية المتوقعة للمناجم بحلول عام 2035.
المخزونات الاستراتيجية وإعادة التدوير
ورأت وكالة الطاقة الدولية أن إنشاء مخزونات استراتيجية يمثل أحد الحلول قصيرة الأجل لتخفيف مخاطر الانقطاع، مشيرة إلى أن إنشاء احتياطات لـ11 مادة عالية المخاطر سيكلف الدول خارج الدول المهيمنة أقل من 900 مليون دولار سنوياً.
أما على المدى البعيد، فتوقعت الوكالة أن يتضاعف تقريباً إسهام المعادن المعاد تدويرها في تلبية الطلب العالمي بحلول عام 2040، شريطة استمرار الاستثمار في أنظمة جمع النفايات وإعادة التدوير وتطوير البنية التحتية الخاصة بها.
واختتم التقرير بالتأكيد أن ضمان أمن إمدادات المعادن الحرجة سيصبح أحد أبرز التحديات الاقتصادية والصناعية خلال العقود المقبلة، في ظل تزايد الاعتماد العالمي على التكنولوجيا والطاقة النظيفة، الأمر الذي يستدعي تنويع سلاسل الإمداد وتعزيز الاستثمار في التكرير والتصنيع وإعادة التدوير، للحد من المخاطر الجيوسياسية وضمان استقرار الصناعات العالمية.
تعليقات الزوار