صراع الهوية… وتشظّي الولاء؟
في العراق، تعاني أغلب الأحزاب من صراع الهوية في داخلها ، التناقض بين ما تقوله وما تفعله.
هناك أحزاب خرجت من رحم العقيدة أو التطرف، ثم وجدت نفسها تدريجياً في عالم السياسة، وفي دهاليز الاقتصاد. الانتقال بحد ذاته ليس مشكلة، لكن المشكلة حين يتم بلا رؤية واحدة، وبلا تعريف واضح: من نحن؟ ولماذا نعمل؟
داخل الحزب الواحد، تتصارع أربع جبهات:
1️⃣ الجناح الاقتصادي يرى الوزارة فرصة، ومقياس النجاح عنده حجم العائد.
2️⃣ الجناح السياسي يقيس الأمور بالاتفاقيات والصفقات وإدارة التوازنات.
3️⃣ الجناح العسكري له منطقه الخاص، ينظر إلى القوة والردع وموقعه في معادلة الصراع.
4️⃣ الجناح الثقافي والعقائدي يحمل خطاباً مثالياً عن القيم والهوية ورسالة الحزب.
كل واحد من هؤلاء يعمل بجد… لكن كلٌّ في اتجاه مختلف.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
السياسي يبني تسوية، فيأتي سلوك عسكري يهدمها.
الاقتصادي يبرم صفقة، فيصطدم بخطاب عقائدي يرفضها علناً.
العقائدي يخاطب الناس بلغة مثالية، بينما الواقع داخل الحزب يقدّم صورة أخرى.
فتظهر التناقضات كحالة مستمرة، وليست سلوكيات فردية.
هذه علامة على غياب الهوية.
الحزب الذي لا يملك تعريفاً واضحاً لنفسه يتحول إلى جزر منفصلة. ومع الوقت، لا تعود المشكلة داخلية فقط، بل تنعكس على الجمهور. الناس تلتقط التناقض أسرع مما يتصور القادة، فتبدأ الثقة بالتآكل. وحين تضعف الثقة، يفقد الأتباع ولاءهم للحزب.
بعض الأحزاب استطاعت أن تؤجل هذه اللحظة. كيف؟
بوجود قائد كاريزماتي يمسك الخيوط بيده ويمنع التصادم من الانفجار. لكن هذه المعالجة مؤقتة ، هي إدارة للتناقض، لا حلٌّ له. وعندما يغيب هذا القائد، تتحول التناقضات إلى انشطارات حقيقية.
وهنا ندخل المرحلة الأخطر:
تشظّي الهوية يقود إلى تشظّي الولاءات.
تداخل الهويات والانتماءات في العراق ، يجعل توحيد الولاء شرطاً لأي مشروع وطني حقيقي.
لا يمكن بناء دولة على ولاءات متفرقة: ولاء للمصلحة هنا، ولاء للفكرة هناك، وولاء للقوة في مكان آخر.
الأحزاب التي ترفع شعار بناء الدولة، وهي لم تحسم هويتها بعد، تعيش مفارقة قاسية ، فهي تدعو إلى توحيد البلد، لكنها عاجزة عن توحيد نفسها.
تعليقات الزوار