En

المخاطر المركّبة لا تُسقِط الأنظمة… بل العزلة المؤسسية

بقلم: إنريكي ألفريدو غونثاليث هويترون

على مدى عقود، حاولت المؤسسات إدارة المخاطر عبر تفكيكها إلى أجزاء. أُوكلت الأمن السيبراني إلى فريق، والتكنولوجيا إلى فريق آخر، والامتثال إلى فريق ثالث، وإدارة الأفراد إلى فريق رابع. وقد نجح هذا النهج — ولو مؤقتاً — حين كانت المخاطر معزولة وخطّية وقابلة للتنبؤ. لكن ذلك العالم لم يعد قائماً.

اليوم، لا تأتي التهديدات واحداً تلو الآخر، ولا تحترم الهياكل التنظيمية. إنها مخاطر مركّبة: تداخلات مترابطة بين عوامل تكنولوجية وبشرية وتشغيلية واقتصادية وجيوسياسية، تتعاضد فيما بينها وتضخّم آثار بعضها بعضاً. ويؤكد تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي هذه الحقيقة بوضوح: لقد دخلنا عصراً لا تتراكم فيه المخاطر فحسب، بل تتفاعل، مولّدة آثاراً متسلسلة ولاخطّية يصعب بشكل متزايد توقّعها أو احتواؤها.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت المؤسسة تمتلك ما يكفي من الضوابط أو الأدوات أو السياسات. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع العمل بطريقة منسّقة، مرِنة، ومتعدّدة التخصصات؟ اليوم، أكثر أشكال الوقاية — والمرونة — فاعلية ليس المزيد من التكنولوجيا، بل تعزيز التناغم المؤسسي.

العزلة التنظيمية (السيلوات) لا تُبطئ التنفيذ فحسب؛ بل تُفاقم المخاطر المركّبة. عندما يرى كل قسم جزءه فقط من المشكلة، لا يرى أحد النظام ككل. فرق التكنولوجيا تنشر حلولاً دون فهمٍ كافٍ للأثر البشري. فرق الأمن تفرض ضوابط تُحدث احتكاكاً في العمليات اليومية. الموارد البشرية تُدير المواهب دون رؤية واضحة للأتمتة أو لصنع القرار المدفوع بالذكاء الاصطناعي. والإدارة العليا تتخذ قرارات استراتيجية بناءً على معلومات مجتزأة.

وقد وثّقت هارفارد بزنس ريفيو هذه الديناميكية على نطاق واسع. ففي مقال «عقلية السيلوات: كيف نكسر الحواجز» (بول أ. تومبسون، 2015)، توضّح المجلة كيف تُضعف السيلوات جودة اتخاذ القرار، وتقلّل سرعة المؤسسات، وتخلق نقاط عمياء، خصوصاً في البيئات المعقّدة. وفي عالم المخاطر المركّبة، تتحوّل تلك النقاط العمياء سريعاً إلى ثغرات تشغيلية وأمنية وسمعية.

ويعزّز المنتدى الاقتصادي العالمي هذا المنظور بالتأكيد على أن معظم المخاطر العالمية الحرجة لم تعد تنتمي إلى فئة واحدة. فالأمن السيبراني لا ينفصل عن الجغرافيا السياسية. والذكاء الاصطناعي يتقاطع مع الاستقرار الاجتماعي والثقة. والبنية التحتية الرقمية مرتبطة مباشرة بشرعية المؤسسات. إن إدارة هذه المخاطر بمعزل عن بعضها البعض نهجٌ متقادم — وربما خطِر.

ويُجسّد الذكاء الاصطناعي، أكثر من أي تكنولوجيا أخرى، ثنائية كونه مُضاعِفاً للقدرات والمخاطر في آنٍ واحد. فبحسب تقرير المخاطر العالمية 2026، يعمل الذكاء الاصطناعي كمُسرِّعٍ منظومي: يمكنه تحسين الإنتاجية وصنع القرار بشكل كبير، لكنه قد يضخّم أيضاً التضليل والاحتيال والأخطاء التشغيلية والتحيّز، إذا نُشر دون حوكمة مناسبة.

وتوسّع ورقة المنتدى الاقتصادي العالمي البيضاء «أميركا اللاتينية في عصر الذكاء: مسار جديد للنمو» (أُعدّت بالتعاون مع ماكنزي وشركاه، 2026) هذه الفكرة، إذ تؤكد أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تنبع من مكاسب كفاءة معزولة، بل من إعادة تصوّر العمليات من البداية إلى النهاية، شريطة أن يبقى الإنسان في قلب العملية، وأن تُبنى الضوابط منذ البداية.

ويتقاطع هذا الاستنتاج مع نتائج ماكنزي في تقرير «لماذا تفشل تحوّلات الذكاء الاصطناعي — وكيف تنجح» (ماكنزي وشركاه، 2023). إذ تُظهر الأبحاث أن معظم مبادرات الذكاء الاصطناعي تفشل ليس بسبب قيود تقنية، بل لأن المؤسسات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمشروع منفصل، لا كقدرة عابرة للوظائف. وعندما يُنفّذ الذكاء الاصطناعي داخل سيلوات، فإنه يحقق فوائد هامشية، بينما يزيد المخاطر المنظومية بشكل كبير.

ويظهر نمط متكرر في الحوادث السيبرانية الكبرى، والإخفاقات التشغيلية، وأزمات السمعة: نادراً ما يكون الأفراد هم الحلقة الأضعف. بل غالباً ما يكونون الحلقة الأقل اندماجاً. لا يفشل الموظفون بسبب نقص الكفاءة، بل لأنهم يعملون داخل أنظمة سيئة التصميم — أنظمة ذات حوافز متضاربة، ومسؤوليات غير واضحة، وأدوات تتجاهل سير العمل في الواقع. ويؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي باستمرار أن الاقتصادات الذكية لا تعمل إلا عندما يُوضع الإنسان في المركز، مدعوماً بالمعرفة الرقمية، والتدريب المستمر، والمشاركة الفاعلة في مبادرات التحوّل.

ويجد هذا الطرح صداه في مقال هارفارد بزنس ريفيو «التكنولوجيا لا تقود التغيير — الناس هم من يفعلون ذلك» (آشلي غودال، 2019)، الذي يقدّم فكرة بسيطة كثيراً ما تُهمل: التكنولوجيا وحدها لا تقلّل المخاطر. ومن دون مواءمة بشرية، فإنها تعيد توزيع المخاطر بطرق أقل وضوحاً — وغالباً أكثر خطورة.

وعليه، فإن الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي ليسا تحدّيين تقنيين بحتين، بل تحدّيان تنظيميّان وثقافيّان وقياديّان في جوهرهما.

وهنا تبرز أهمية أطر مثل ISO/IEC 42001:2023. فدون الخوض في التفاصيل التقنية، يقدّم هذا المعيار مبدأً جوهرياً: ينبغي حوكمة الذكاء الاصطناعي كنظام إدارة متكامل، منسجم مع استراتيجية الأعمال وإدارة المخاطر، مع تحديد واضح للمسؤوليات التنظيمية.

ويركّز معيار ISO/IEC 42001 على عدة أفكار أساسية للتخفيف من مخاطر الذكاء الاصطناعي، منها:

التقييم المنهجي لمخاطر وتأثيرات الذكاء الاصطناعي.

التحديد الواضح للأدوار والمساءلة.

دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات التجارية القائمة، بدلاً من هياكل موازية.

التحسين المستمر والتعلّم المؤسسي.

القيمة الحقيقية هنا ليست في الشهادة بحد ذاتها، بل في الفلسفة الكامنة وراءها: لا يمكن حوكمة الذكاء الاصطناعي بواسطة فريق واحد أو وظيفة واحدة. فالحوكمة الفاعلة تتطلب تعاوناً بين التكنولوجيا والأمن والقانون والأعمال والأدوار المعنية بالإنسان.

عندما يعمل الأفراد والتكنولوجيا و(الأمن) السيبراني بشكل منفصل، تكون النتيجة تراكمية وهشّة. أما عندما يعملون بتناغم، فإن الأثر يصبح تضاعفياً.

ويتطلب هذا التحوّل:

منصّات قرار متعددة التخصصات بحق.

لغة مشتركة بين الفرق التقنية وفرق الأعمال.

مؤشرات قياس مشتركة تقيّم خلق القيمة، لا الامتثال فقط.

عمليات مصمَّمة لاستباق الفشل، لا الاكتفاء بالاستجابة له.

وتلخّص ماكنزي هذه الديناميكية في تقرير «التنظيم لعصر الاستعجال» (ماكنزي كوارترلي، 2020)، الذي يبيّن أن أكثر المؤسسات مرونة ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من الضوابط، بل تلك التي تتعلّم وتنسّق بشكل أسرع تحت الضغط. وهذه القدرة على التعلّم هي خاصية ناشئة من التناغم المؤسسي.

لم يعد كسر السيلوات مسألة كفاءة فحسب، بل مسألة بقاء. فالعالم الذي نعيش فيه تحكمه المخاطر المركّبة؛ وبالتالي تصبح التجزئة نفسها هشاشةً هيكلية. إن الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة أو تشديد السياسات الأمنية غير كافٍ إذا ظلّ الأفراد والعمليات وصنع القرار منفصلين.

الضرورة الاستراتيجية الحقيقية اليوم هي بناء مؤسسات قادرة على التفكير والعمل كنُظم متكاملة، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي كمُمكّن واعٍ، ويدعم الأمن السيبراني مرونة الأعمال، ويبقى الإنسان جوهر اتخاذ القرار الذكي — الإنسان في الحلقة، دائماً.

لم يعد التناغم مفهوماً طموحاً، بل الحد الأدنى اللازم للعمل بسرعة ومرونة وبثقة في مشهد المخاطر المعاصر.

تعليقات الزوار