En

قراءة في توازنات المرحلة المقبلة

محمد جاسم الجبوري _ مساعد رئيس مؤسسة غداً لإدارة المخاطر

على مدى عقدين من إدارة الأزمات في العراق، يمكن القول إن أخطر اللحظات تلك التي بدا فيها المشهد هادئاً على غير العادة.

 في هذه اللحظات تحديداً، تُتخذ قرارات تبدو عملية في وقتها، لكنها تحمل داخلها بذور اختبارات قاسية لاحقاً.

ما جرى في إدارة الاستحقاق الحكومي الأخير لا يمكن قراءته بوصفه تنافس أسماء أو مواقع، بل بوصفه انعكاساً لطريقة تشكّل القرار في مرحلة شديدة الحساسية.

 حين يُدار القرار داخل الاطار التنسيقي بالأغلبية لا بالإجماع، فإن ذلك لا يعني فقط اختلاف وجهات نظر، بل يكشف عن تآكل الثقة داخل التحالف نفسه. 

في التجربة العراقية، القرارات التي تمرّ بهذه الطريقة تكون مستقرة شكلياً، لكنها هشّة عند أول أزمة.

نقل مركز الثقل إلى الحكومة التنفيذية عبر توسيع صلاحياتها أو أعبائها لا يشكّل بحد ذاته ضمانة للاستقرار. التجربة تقول إن تحميل السلطة التنفيذية أكثر مما تحتمل، في ظل غطاء سياسي ضعيف، يحوّل أي إخفاق خدمي أو إداري إلى أزمة سياسية كاملة. في بلد مثل العراق، حيث تتداخل الخدمات بالشرعية، يصبح الأداء اليومي جزءاً من معركة الثقة، لا مجرد مسألة إدارية.

على المستوى الإقليمي، من المفهوم أن تسعى القوى السياسية إلى تأمين مظلات دعم في لحظة اضطراب واسعة. لكن التجربة نفسها تُظهر أن الدعم الخارجي لا يعالج نقص القبول الداخلي، بل غالباً ما يرفع حساسية القرار ويقلّص هامش التراجع. ما يُكسب الوقت اليوم، قد يضاعف الكلفة غداً إذا لم يُدعَّم بتفاهم داخلي أوسع.

الصمت المرجعي في هذه المرحلة لا ينبغي فهمه كغياب أو رضا، بل كرسالة واقعية: أولوية مواجهة المخاطر الكبرى، مع تحميل القوى السياسية مسؤولية كاملة عن خياراتها ونتائجها. في مثل هذه الظروف، تغيب إحدى أهم أدوات تهدئة الشارع وامتصاص الأزمات، وتصبح كل هفوة اختباراً مباشراً لقدرة النظام على الصمود.

 

في المقابل، يبرز خطر القوى التي تقف خارج منظومة التفاهمات القائمة، وتمتلك القدرة على التحرك دون تحمّل أعباء الحكم. هذه القوى لا تحتاج إلى إسقاط الحكومة بقدر ما تستطيع إضعافها تدريجياً، عبر استثمار الإخفاقات واستدعاء ذاكرة الصراع. التجربة العراقية أثبتت أن الصراعات الأخطر تلك التي تنشأ داخل المكوّن الواحد حول من يمثل الناس ومن يمثل الدولة.

الخلاصة أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة الخلاف بمنطق تسجيل النقاط أو فرض الوقائع. الاستقرار في العراق لم يكن يوماً نتيجة قرار واحد، بل حصيلة توازنات دقيقة وآليات احتواء تراكمت عبر التجربة والخطأ. أي خلل في هذه الآليات لا يظهر فوراً ، لكنه يتراكم بصمت إلى أن يتحول أول اختبار عادي إلى أزمة أكبر من قدرة الجميع على التحكم بها. والسؤال الذي يفترض أن يُطرح اليوم، داخل كل دائرة قرار، ليس كيف نُمرّر هذه المرحلة، بل كيف نمنع المرحلة القادمة من أن تكون أصعب بكثير مما نتصور.

تعليقات الزوار