تقرير المخاطر العالمية 2026: تحليل معمق للتحديات الاقتصادية والتقنية والسياسية
يحلل تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي المشهد الدولي للمخاطر خلال العقد القادم، مؤكدًا على تحول النظام العالمي نحو عصر المنافسة الحادّة، حيث تتراجع روح العمل الجماعي لصالح المصالح الوطنية الضيقة.
ويبرز التقرير كيف أصبحت التجارة والتكنولوجيا أدوات استراتيجية للنفوذ الجيوسياسي، ما أدى إلى زعزعة استقرار المؤسسات متعددة الأطراف وتفتت النظام العالمي إلى أقطاب متنازعة تستخدم العقوبات وسلاسل التوريد كأسلحة استراتيجية.
1 - المواجهة الجيواقتصادية: الخطر الأبرز في المدى القصير
يعد الصراع الجيواقتصادي الخطر العالمي الأكثر حدة المتوقع خلال العامين المقبلين، حيث تصدرت هذه المواجهة تصنيفات استطلاع تصور المخاطر العالمية لعامي 2025-2026، متقدمة على النزاعات المسلحة والظواهر المناخية المتطرفة، ومن المتوقع أن تتسبب في أزمة عالمية ملموسة عام 2026.
أبعاد المواجهة الجيواقتصادية:
تعريف المواجهة وأدواتها:
تتجسد المواجهة الجيواقتصادية في استخدام القوى العالمية والإقليمية للروافع الاقتصادية لإعادة تشكيل التفاعلات بين الدول، سواء لبناء الاكتفاء الذاتي أو لتقييد المنافسين. وتشمل أدواتها: التجارة، التمويل، التكنولوجيا، تدابير العملة، العقوبات، ضوابط الاستثمار والتحكم في سلاسل التوريد.
القطاعات الاستراتيجية المستهدفة:
تشمل الذكاء الاصطناعي، الرقائق الإلكترونية، التكنولوجيا الحيوية، التقنيات الكمومية، الطائرات بدون طيار، المعادن النادرة، بالإضافة إلى البنية التحتية المالية وأنظمة التدفقات الرأسمالية.
التداعيات على النظام العالمي:
تراجع التعددية الدولية وضعف المؤسسات متعددة الأطراف.
اضطراب سلاسل القيمة العالمية وارتفاع مخاطر الانقطاع.
ضغوط تضخمية نتيجة التعريفات الجمركية والمنافسة على الموارد.
تهديد البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات الطاقة والاتصالات.
النطاق الزمني:
تعتبر المواجهة أولوية قصوى في المدى القصير (سنتان)، بينما يتوقع تراجع حدتها في التصنيف على المدى الطويل (10 سنوات). إلا أن تراكم الديون قد يؤدي إلى تقلبات جديدة تؤثر على الشركات والمجتمعات.
الحلول المقترحة:
تعزيز التحالفات الإقليمية و"تحالفات الراغبين"، وتطوير التشاور بين القطاعين العام والخاص لدعم الشفافية في صنع القرار الاقتصادي.
2 - تآكل التعددية الدولية
يشهد النظام الدولي تراجعاً واضحاً للتعددية، حيث يواجه النظام متعدد الأطراف ضغوطاً متزايدة ناجمة عن ضعف الثقة، انخفاض الشفافية، وتراجع احترام سيادة القانون، إلى جانب تصاعد السياسات الحمائية.
أبعاد تآكل التعددية:
تعددية أقطاب بلا تعددية أطراف:
النظام العالمي الحالي يُوصف بأنه "متعدد الأقطاب أو مجزأ"، حيث تتنافس القوى الكبرى والمتوسطة على فرض قواعد ومعايير إقليمية، بينما يتوقع 6% فقط انتعاش النظام الدولي الأحادي القطب القائم على القواعد.
ضعف المؤسسات الدولية:
تعاني مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية من الجمود وفقدان الفاعلية، ما انعكس على انخفاض عدد القضايا المعروضة على نظام تسوية المنازعات إلى نحو الثلث مقارنة بما قبل 2019.
المواجهة الجيواقتصادية كبديل للتعاون:
أصبحت الأسلحة الاقتصادية أداة رئيسية للدول لتعزيز ميزاتها الاستراتيجية، مما أدى إلى تفتت سلاسل التوريد وتقويض الاقتصاد العالمي المترابط.
فراغ الحوكمة العالمية:
يشكل نقص القدرة على إدارة التهديدات المشتركة مثل تغير المناخ والأوبئة والجريمة المنظمة، ما يدفع الدول نحو الاستقلال الاستراتيجي وتعزيز القدرات الدفاعية الوطنية.
صعود الواقعية السياسية:
تحل المصالح الوطنية الضيقة محل العمل الجماعي، ويزداد الاعتماد على "تحالفات الراغبين" والاتفاقيات المصغرة كحلول بديلة عند تعذر التقدم العالمي.
تداعيات على سيادة القانون: أدى تراجع التعددية إلى ما يسمى "ركود سيادة القانون العالمي"، حيث شهدت 68% من الدول تراجعاً في الالتزام بسيادة القانون، ما يعمق عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي داخلياً وخارجياً.
3 - المخاطر التكنولوجية الناشئة
تشمل المخاطر الناشئة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمومية، حيث يمثل خطر المخرجات الضارة للذكاء الاصطناعي أكبر قفزة في الترتيب العالمي، متقدماً من المرتبة 30 إلى المرتبة 5 على المدى الطويل.
تفصيل المخاطر:
الذكاء الاصطناعي:
المعلومات المضللة والـ"Deepfakes" وزيادة الاستقطاب المجتمعي.
فقدان الوظائف وارتفاع فجوة الدخل (اقتصاديات على شكل K).
المخاطر العسكرية والتصعيد غير المقصود في النزاعات.
فقدان السيطرة على الأنظمة الذكية المستقلة.
التقنيات الكمومية:
تهديد أنظمة التشفير وحماية البيانات.
انهيار الثقة الرقمية وتفاقم الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية.
تصاعد المنافسة الاستراتيجية العالمية وتقييد الوصول إلى التكنولوجيا الحساسة.
التداخل بين التقنيات والمواجهة الجيوسياسية:
تسرع التقدم في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمومية من ظهور المخاطر، وتخلق سيناريوهات "الفائز يأخذ كل شيء"، مع آثار بيئية كبيرة نتيجة استهلاك الطاقة والمياه.
4- اضطراب البنية التحتية الحيوية
يشير التقرير إلى تصاعد المخاطر على الأنظمة الحيوية، بما في ذلك الإنترنت، الاتصالات، الطاقة، والنظام المالي.
أبعاد هذا الاضطراب:
تقادم الأنظمة والفجوات التمويلية:
معظم البنى التحتية، خصوصاً في دول OECD، قديمة وتعاني من أعطال متكررة.
الرقمنة والذكاء الاصطناعي: الطلب المتزايد على الطاقة لمراكز البيانات، وارتفاع الترابط بين الأنظمة يزيد من مخاطر "الآثار المتتالية".
التغير المناخي والظواهر المتطرفة: الجفاف والفيضانات تؤدي إلى تعطيل التجارة العالمية ورفع تكاليف السلع.
البنية التحتية كجبهة حرب هجينة: استخدام الهجمات السيبرانية والفيزيائية على شبكات الطاقة والمياه كأدوات في النزاعات الجيوسياسية.
الوضع الإقليمي (العراق نموذجاً)
تعاني البنى التحتية من العقوبات، الحروب، ونقص الخبرات، ما يعيق تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
5- أزمات الديون والضغوط المالية
يبلغ إجمالي الدين العالمي 251 تريليون دولار، أي ما يعادل 235% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في 2024، مع استمرار ارتفاع مستويات الدين في جميع الاقتصادات.
أبعاد أزمات الديون:
ارتفاع تكاليف إعادة التمويل وخدمة الدين، خصوصاً في OECD وأسواق الشركات العالمية.
ضغوط على الإنفاق الاستراتيجي وزيادة العجز المالي بسبب الإنفاق العسكري والمواجهة الجيوسياسية.
تقلبات الأسواق المالية ومخاطر انهيار البنوك غير المصرفية.
ضغوط على السياسة النقدية واحتمالية تضخم واسع النطاق.
تآكل العقد الاجتماعي وازدياد عدم المساواة، مع اقتصادات على شكل حرف K.
الحاجة إلى حلول مبتكرة مثل مبادلة الديون مقابل التنمية، وإصلاحات مالية وضريبية لتعزيز قدرة الدول على مواجهة التحديات.
خاتمة
يشير تقرير المخاطر العالمية 2026 إلى أن العالم يواجه مرحلة من الاضطرابات المركبة: مواجهات جيواقتصادية، تقنيات ناشئة، ضعف التعددية الدولية، انهيار البنية التحتية الحيوية، وأزمات الديون. ويتطلب التصدي لهذه المخاطر تبني استراتيجيات مرنة، تعزيز التعاون الدولي، تطوير الحوكمة الرقمية، واستحداث أدوات مالية مبتكرة لضمان استقرار الاقتصاد العالمي والمجتمعات.
تعليقات الزوار