تشهد العلاقات بين روسيا وإيران تحولاً استراتيجياً متسارعاً، تتجلى أبرز مظاهره في تعميق التعاون في قطاع الطاقة، لا سيما في مجال الغاز الطبيعي. ففي ظل العقوبات الغربية المفروضة على البلدين، باتت موسكو وطهران تنسجان شراكة متقدمة تهدف إلى تقويض الهيمنة الغربية على أسواق الطاقة العالمية، وإعادة رسم خريطة التصدير، عبر إنشاء تحالفات بديلة ومنصات إقليمية جديدة لتوزيع الغاز.
الغاز سلاح جيوسياسي مشترك
تسعى كل من روسيا، التي تُعدّ أكبر مصدر للغاز في العالم، وإيران، صاحبة ثاني أكبر احتياطي غاز عالمي، إلى تعزيز موقعهما كمحور مضاد لهيمنة الولايات المتحدة وأوروبا على سوق الطاقة. وفي هذا السياق، تعمل الدولتان على تقوية أدواتهما الجيوسياسية، من خلال ربط البنى التحتية للطاقة، وتنسيق المواقف في منظمة "منتدى الدول المصدرة للغاز"، وكذلك عبر عقود تبادل الغاز والتسييل والنقل المشترك.
ويأتي هذا التوجه بعد تضرر موسكو بشكل كبير من العقوبات الغربية التي فرضت على قطاعها الطاقوي عقب الحرب في أوكرانيا، إذ باتت تبحث عن شركاء بديلين، في مقدمتهم إيران، لتنشيط صادراتها وتقليص الاعتماد على السوق الأوروبية.
مشاريع استراتيجية قيد التنفيذ
تشير تقارير متعددة إلى أن طهران وموسكو بصدد إبرام اتفاقيات كبرى في مجالات تصدير الغاز إلى دول ثالثة، عبر خطوط نقل تمر من إيران باتجاه باكستان والهند، أو من روسيا نحو آسيا الوسطى والخليج. كما يجري العمل على تطوير مشاريع تسييل الغاز الإيراني بتمويل روسي، بما يسمح بتوسيع قدرة التصدير الإيرانية نحو شرق آسيا.
وتطمح إيران، بدعم روسي، إلى تجاوز العقبات التقنية والمالية التي حالت دون تطوير قطاع الغاز لديها، مستفيدة من الخبرات الروسية في هذا المجال، وخاصة في بناء محطات تسييل الغاز ونقل الغاز عبر الأنابيب الطويلة.
التأثير على توازنات سوق الغاز العالمي
يشكّل هذا التحالف المتصاعد تحديًا مباشرًا لسياسات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الهادفة إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على خصومها الجيوسياسيين. فإذا ما نجحت موسكو وطهران في تكريس نموذج تعاوني فعال، فإنهما قد تفرضان معادلة جديدة في سوق الغاز، تقوم على تقليص نفوذ الموردين التقليديين في السوق الفورية وتوسيع عقود البيع الثنائي والطويل الأمد.
من جهة أخرى، تُبدي دول مثل الصين والهند اهتماماً متزايداً بهذا التحالف، باعتباره وسيلة للحصول على إمدادات مستقرة وغير خاضعة للضغوط السياسية الغربية. كما أن التعاون الروسي–الإيراني قد يُفضي إلى تشكيل كتلة "أوبك للغاز"، تكون لها اليد العليا في تحديد الأسعار والوجهات.
تحديات قائمة
رغم الطموحات الكبيرة، تواجه هذه الشراكة عدة تحديات، أبرزها:
البنية التحتية المهترئة في إيران وعدم اكتمال مشاريع الربط الإقليمي.
القيود المالية والتقنية الناتجة عن العقوبات.
التنافس الخفي بين البلدين على بعض الأسواق، لا سيما في آسيا.
ومع ذلك، تبدو الإرادة السياسية في طهران وموسكو متجهة نحو تجاوز هذه العقبات، عبر مقايضات طاقة–مقابل–سلاح، واتفاقيات أمنية واقتصادية أشمل.
ختاماً
إن الشراكة الروسية–الإيرانية في قطاع الغاز ليست مجرد تحالف اقتصادي، بل تعبير عن تقارب جيواستراتيجي يسعى إلى كسر الهيمنة الغربية وإعادة رسم معادلات النفوذ في السوق العالمية للطاقة. وإذا ما تمكّنت الدولتان من ترجمة مشاريعهما إلى وقائع ملموسة، فقد نشهد في السنوات المقبلة تحولاً بنيوياً في خريطة الغاز العالمية، تكون فيه آسيا محورها، وروسيا وإيران قطباه الرئيسيان.
تعليقات الزوار