En

تقرير دولي يحذر من ثغرات في شبكات رصد المحيطات.. 67 دولة تشارك في مراقبة البحار وسط نقص التمويل والتغطية

حذّر تقرير حالة النظام العالمي لرصد المحيطات لعام 2026 من استمرار وجود فجوات جغرافية وتمويلية في شبكات مراقبة المحيطات والبحار، رغم التقدم المحرز في توسيع التعاون الدولي وتطوير أدوات الرصد، مشيراً إلى أن استدامة هذه الشبكات تواجه تحديات تتعلق بتأمين التمويل طويل الأمد، وعدم توازن مساهمات الدول، ونقص التغطية في المناطق القطبية والمحيطات العميقة والمناطق الساحلية.

وذكر التقرير، الصادر في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 عن النظام العالمي لرصد المحيطات (GOOS)، أن 67 دولة باتت تسهم في جمع البيانات الفيزيائية والبيوجيوكيميائية البحرية عبر 17 شبكة دولية للرصد، تتابعها منظومة «أوشن أوبس» (OceanOPS)، في إطار جهود بناء نظام عالمي متكامل لمراقبة المحيطات وتوفير بيانات مستمرة عن التغيرات التي تشهدها البيئة البحرية.

ويُعد المحيط عنصراً أساسياً في سلامة المجتمعات ورفاهها وسبل عيشها، كما تؤثر التغيرات التي يشهدها في المناخ والطقس والأمن الغذائي والاقتصاد البحري. ولذلك، فإن فهم هذه التحولات يعتمد على استمرار عمليات الرصد والقياس، من قاع المحيطات إلى الغلاف الجوي، باستخدام محطات وأجهزة ومنصات متخصصة، إلى جانب الكوادر العلمية والفنية التي تتولى تشغيلها وتحليل بياناتها.

ويأتي التقرير في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى المعلومات البحرية الدقيقة، ليس فقط لأغراض البحث العلمي، بل أيضاً لتحسين التنبؤات الجوية ومراقبة المناخ وإدارة المخاطر الساحلية والبحرية، وحماية التنوع البيولوجي، ودعم الاستخدام المستدام للموارد البحرية.

67 دولة و17 شبكة لرصد المحيطات

وأوضح التقرير أن 67 دولة تشارك حالياً في عمليات الرصد الفيزيائي والبيوجيوكيميائي للمحيطات من خلال 17 شبكة تابعة للنظام العالمي لرصد المحيطات، فيما تكمل الأقمار الصناعية هذه القياسات عبر توفير بيانات من الفضاء، إلى جانب مبادرات علمية ومؤسسات متخصصة تجمع معلومات عن الكائنات البحرية والنظم البيئية.

وتوفر هذه المنظومة مجتمعة قاعدة بيانات واسعة تُستخدم في مجالات متعددة، أبرزها التنبؤ بالطقس، ومتابعة التغيرات المناخية، وتقييم المخاطر التي تواجه الملاحة والمناطق الساحلية، ومراقبة التنوع البيولوجي، فضلاً عن دعم الاقتصادات البحرية المستدامة.

ويُدار النظام العالمي لرصد المحيطات بقيادة اللجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بالتعاون مع الدول والمؤسسات والباحثين والمتخصصين في علوم البحار.

أما مركزه التشغيلي «أوشن أوبس»، فيحظى بدعم مشترك من المنظمة العالمية للأرصاد الجوية واللجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية، ويتولى دعم تنفيذ منظومة الرصد ومتابعة أداء الشبكات العالمية وحالتها التشغيلية.

فجوات في المناطق القطبية والمحيطات العميقة

ورغم التقدم المسجل، أشار التقرير إلى أن قدرات الرصد لا تزال موزعة بصورة غير متكافئة بين مناطق العالم، وأن عدداً من الشبكات يواجه صعوبات في تأمين التمويل المستمر اللازم للحفاظ على عملياته وتوسيع نطاق تغطيته.

ولفت إلى أن تنفيذ برامج الرصد على المدى الطويل لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود نسبياً من الدول المساهمة الرئيسية، ولا سيما دول مجموعة السبع وأستراليا، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن قدرة النظام على ضمان تغطية عالمية متوازنة ومستدامة.

وتبرز الحاجة بصورة خاصة إلى تحسين عمليات الرصد في المحيط الجنوبي والمناطق القطبية، وأنظمة الحدود البحرية، والبحار الهامشية، وأعماق المحيطات، فضلاً عن مناطق ساحلية عديدة، خصوصاً في الدول النامية والدول الجزرية الصغيرة النامية.

وتكتسب هذه الفجوات أهمية إضافية بسبب حساسية المناطق القطبية والمحيطات العميقة للتغيرات المناخية والبيئية، فضلاً عن صعوبة الوصول إليها وارتفاع تكاليف تشغيل محطات الرصد فيها. كما أن نقص البيانات في المناطق الساحلية قد يحد من قدرة الدول على تقييم المخاطر التي تهدد المجتمعات والمنشآت والبنية التحتية القريبة من الشواطئ.

وفي هذا السياق، قال الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سيليست ساولو، إن غياب بيانات رصد المحيطات يجعل العالم عاجزاً عن تكوين صورة واضحة عما يحدث في البيئة البحرية، مشيراً إلى أن هذه البيانات تمثل أساساً للتنبؤات الجوية وفهم النظام المناخي، كما ساعدت في توقع تطورات ظاهرة «إل نينيو» الاستثنائية وقوتها خلال العام الحالي.

وأكد ساولو أن بيانات المحيطات تمثل منفعة عامة عالمية، داعياً إلى أن تعكس أولويات الاستثمار هذه القيمة المشتركة التي تتجاوز حدود الدول والمناطق.

التمويل والحوكمة.. التحدي الأكبر أمام استدامة الرصد

ولا تتعلق التحديات التي رصدها التقرير بالجوانب التقنية والعلمية وحدها، بل تمتد إلى طبيعة الحوكمة الدولية وآليات توزيع المسؤوليات وضمان استمرار التمويل.

وقال الأمين التنفيذي للجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية، فيدار هيلغيسن، إن تعزيز النظام العالمي لرصد المحيطات لا يمثل تحدياً علمياً فحسب، بل هو أيضاً تحدٍ يتعلق بالحوكمة، موضحاً أن المطلوب هو بناء منظومة أكثر كفاءة تستطيع الدول الحفاظ عليها وتمويلها على المدى الطويل.

وشدد على أهمية زيادة الاستثمارات وتعزيز التعاون مع الحكومات، بما يضمن عدم اقتصار عمليات الرصد على مبادرات محدودة أو مساهمات مؤقتة، بل تحويلها إلى التزام مؤسسي مستدام.

ويشير هذا التوجه إلى أن مستقبل شبكات الرصد يرتبط بقدرة الدول على تنسيق سياساتها البحرية والبيئية، وتوفير الموارد المالية والتقنية اللازمة، وتوزيع الأدوار بصورة تضمن استمرار جمع البيانات وتحديثها ومشاركتها.

ضعف التنسيق يؤدي إلى تكرار الجهود وفقدان البيانات

من جانبها، أكدت مديرة النظام العالمي لرصد المحيطات، جوانا بوست، أن ضعف التنسيق بين المستويات الوطنية والإقليمية والدولية يؤدي إلى فقدان جزء من القيمة التي يمكن أن توفرها منظومة الرصد.

وأوضحت أن غياب المواءمة الفعالة قد يؤدي إلى تكرار الجهود في بعض المناطق، واستمرار الفجوات في مناطق أخرى، فضلاً عن عدم وصول البيانات إلى الجهات التي تحتاج إليها، مشددة على أن تعزيز التنسيق يمثل الخطوة الأولى الضرورية، وأن الجهات المسؤولة عنه تحتاج إلى دعم سياسي يتيح لها أداء دورها.

وتسلط هذه الملاحظات الضوء على مشكلة تتجاوز جمع البيانات، إذ إن قيمة الرصد لا تتحقق بمجرد تشغيل الأجهزة والمنصات، وإنما تعتمد أيضاً على القدرة على توحيد المعايير وتبادل المعلومات وإتاحتها للباحثين والحكومات والجهات التشغيلية التي تستخدمها في التخطيط واتخاذ القرارات.

مناخ ومرونة ساحلية وحماية للشعاب المرجانية

ويستعرض تقرير 2026 مجموعة من التطورات والمبادرات التي توضح الأثر العملي لشبكات رصد المحيطات، من بينها الجهود الرامية إلى سد الفجوات في مراقبة المناخ بالمحيطات القطبية، وتوفير أدوات عملية لتعزيز قدرة مجتمعات المحيط الهادئ على مواجهة ارتفاع مستويات البحار.

كما يتناول دور مراقبة الشعاب المرجانية والطحالب في دعم الجهود العالمية لرصد الشعاب المرجانية واستعادتها، إلى جانب إطلاق تحالف دولي جديد لدعم النظام العالمي لرصد المحيطات وتعزيز قدراته، بقيادة الاتحاد الأوروبي وكندا.

ويتضمن التقرير أيضاً نموذجاً للتعاون الدولي في استعادة مركبة انزلاقية بحرية فُقدت أثناء عمليات الرصد، بما يبرز أهمية التعاون بين الفرق العلمية والجهات المشغلة والمنظمات الدولية في الحفاظ على معدات الرصد واستمرارية عملها.

ويتيح التقرير، من خلال منصة تفاعلية، الاطلاع على أحدث البيانات والمؤشرات المتعلقة بشبكات الرصد الـ17، بما في ذلك خريطة للمنصات ومحطات الرصد المرجعية التي تنشرها الدول، فضلاً عن عرض قصص توضح أثر البيانات البحرية في التعامل مع التحديات المناخية والبيئية.

رصد المحيطات ضرورة للأمن المناخي والاقتصادي

وتكشف نتائج التقرير أن توسيع شبكات رصد المحيطات لم يعد مسألة مرتبطة بتطوير البحث العلمي وحده، بل أصبح جزءاً من متطلبات الأمن المناخي والاقتصادي وإدارة المخاطر، في ظل التأثير المباشر للمحيطات في أنماط الطقس ودرجات الحرارة ومستويات البحار والنظم البيئية.

كما أن استمرار الفجوات الجغرافية والتمويلية قد يحد من قدرة الدول على الاستعداد للكوارث البحرية والمناخية، ويؤثر في دقة التنبؤات الجوية والمناخية، فضلاً عن إضعاف الجهود الرامية إلى حماية السواحل والموارد البحرية.

وبينما تمثل مشاركة 67 دولة عبر 17 شبكة خطوة في اتجاه بناء منظومة عالمية أوسع، يرى التقرير أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذا التقدم إلى نظام مستدام ومتوازن، لا يعتمد على عدد محدود من الدول، ويضمن وصول البيانات إلى مختلف المناطق والجهات المستفيدة.

وبذلك، يضع التقرير التمويل والتنسيق والحوكمة الدولية في صلب مستقبل مراقبة المحيطات، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن التقنيات والأجهزة المستخدمة في جمع البيانات، ولا سيما أن فهم التغيرات التي تشهدها البحار والمحيطات يمثل شرطاً أساسياً لحماية المجتمعات الساحلية وتعزيز القدرة على مواجهة التحولات المناخية.

تعليقات الزوار