هل فقدت إيران السيطرة على مضيق هرمز؟
عودة صادرات الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب تضع «ورقة هرمز» الإيرانية أمام اختبار جديد.. لكن كلفة التأمين والحماية العسكرية والمسارات البديلة تكشف أن الملاحة لا تزال بعيدة عن الوضع الطبيعي
شهد مضيق هرمز خلال الأسابيع الأخيرة تحولاً لافتاً في حركة النفط، بعدما تمكنت دول الخليج العربية من استعادة جزء كبير من صادراتها إلى مستويات تقترب من مرحلة ما قبل الحرب، مستفيدة من زيادة عبور الناقلات، وتوسيع استخدام خطوط الأنابيب والمسارات البديلة، وشبكة جديدة من ناقلات النفط، فضلاً عن الدعم العسكري الأميركي للملاحة.
في المقابل، بقيت صادرات النفط الإيرانية عبر المضيق عند مستويات تقترب من الصفر بفعل استمرار الحصار البحري الأميركي، بعدما كانت طهران تصدر قبل الحرب نحو 1.7 مليون برميل يومياً.
ويضع هذا التحول إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية أمام اختبار غير مسبوق، بعدما راهنت طهران منذ بداية الحرب على قدرتها على تعطيل الملاحة في هرمز ورفع كلفة تجارة الطاقة، وبالتالي استخدام المضيق لتعزيز قدرتها التفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة.
لكن عودة ملايين البراميل يومياً إلى الأسواق، رغم استمرار التوتر والهجمات، تطرح سؤالاً أكبر: هل فقدت إيران السيطرة على مضيق هرمز، أم أن واشنطن ودول الخليج نجحت فقط في بناء منظومة مكلفة تسمح بالالتفاف جزئياً على الضغط الإيراني؟
16.5 مليون برميل يومياً
تكشف بيانات مؤسسة «كبلر» لتتبع حركة السفن عن تغير كبير في خريطة تدفقات الطاقة.
فبين الأول و28 أيلول، بلغ متوسط صادرات النفط الخام والمكثفات من المنطقة ما لا يقل عن 16.5 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يعادل تقريباً متوسط ما قبل الحرب إذا استُثني النفط الإيراني.
ومن هذه الكميات، مر نحو 9.9 ملايين برميل يومياً، أي قرابة 60%، عبر مضيق هرمز، بينما جرى تحميل 23% من ساحل بحر عُمان، ولا سيما من الفجيرة، وخرج 17% عبر البحر الأحمر.
والتحول الأكثر أهمية يتمثل في أن نحو 40% من إجمالي النفط المصدر من المنطقة خلال أيلول لم يعد بحاجة إلى المرور عبر هرمز، بعدما جرى نقله بواسطة خطوط الأنابيب البرية إلى موانئ البحر الأحمر وخليج عُمان.
وقبل الحرب، لم تتجاوز حصة النفط الذي يتجنب المضيق بهذه الطريقة نحو 17%.
وبذلك، لم تعد جميع صادرات الخليج رهينة الممر البحري نفسه بالدرجة التي كانت عليها سابقاً، إذ أتاحت خطوط الأنابيب السعودية المتجهة إلى البحر الأحمر والخط الإماراتي إلى الفجيرة مساحة أكبر للمناورة.
لكن ذلك لا يعني أن أهمية هرمز تراجعت جذرياً؛ فقرابة عشرة ملايين برميل يومياً ظلت تمر عبره خلال أيلول، فيما ارتفعت حركة الناقلات داخله أيضاً.
إيران خارج الانتعاش النفطي
المفارقة أن الانتعاش في صادرات المنطقة لم يشمل إيران نفسها.
وتقدر «كبلر» أن عبور النفط الإيراني عبر هرمز بقي قريباً من الصفر خلال أيلول، بعد عودة الحصار في تموز.
وقبل الحرب، كانت إيران تصدر نحو 1.7 مليون برميل يومياً، ولذلك فإن إضافة الكميات الإيرانية المفقودة إلى الحساب تخفض نسبة تعافي إجمالي صادرات المنطقة إلى نحو 91% من مستوى ما قبل الحرب.
وهذه المعادلة تختلف بصورة واضحة عن التهديد الإيراني السابق القائم على أن توقف صادرات إيران سيجعل استمرار صادرات الآخرين أمراً بالغ الصعوبة.
فدول الخليج استطاعت استعادة معظم صادرات النفط الخام، بينما ظلت صادرات طهران نفسها مقيدة.
واشنطن تدخل على خط الملاحة
لكن تفسير التحول بالأرقام وحدها لا يقدم الصورة الكاملة. فإلى جانب خطوط الأنابيب والمسارات البديلة، لعب الوجود العسكري الأميركي دوراً رئيسياً في زيادة حركة السفن.
وقال مارتن كيلي، كبير محللي الاستخبارات في شركة «EOS Risk Group»، إن الدعم الأميركي للسفن يتمثل بصورة رئيسية في الإسناد الجوي، بما يشمل إصدار التحذيرات ورصد واعتراض التهديدات القادمة، سواء كانت طائرات مسيرة أو صواريخ أو قوارب.
وتستخدم السفن أيضاً مساراً جنوبياً اقترحته الولايات المتحدة بالقرب من السواحل العُمانية لتقليل المخاطر.
لكن الحماية الأميركية لم تجعل الرحلة خالية من الأخطار.
فالسفن التي تستخدم الممر الجنوبي ولا تحصل على موافقة إيرانية لاستخدام المسار الشمالي ظلت عرضة للهجمات.
وفي 21 أيلول، أعلن مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة «UKMTO» إصابة ناقلة متجهة إلى داخل الخليج بمقذوف مجهول، قبل أن يعلن في 23 أيلول اندلاع حريق في سفينة شحن عقب إصابتها بمقذوف.
وهذا يعني أن زيادة عدد الناقلات العابرة لا تعني انتهاء الخطر الإيراني أو عودة حرية الملاحة الكاملة.
ماذا بقي من «السيطرة الذكية»؟
يصف المسؤولون الإيرانيون سياستهم في هرمز أحياناً بمفهوم «السيطرة الذكية». ويرى حميد رضا عزيزي، كبير محللي الشأن الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية، أن المقصود بهذه الاستراتيجية ليس بالضرورة منع كل سفينة من العبور، وإنما إحداث اضطراب في الملاحة، ورفع مستوى المخاطر، والتأثير في أسعار الطاقة.
وبهذا المفهوم، لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق فعلياً لتحقيق تأثير اقتصادي. فمجرد وجود احتمال للهجوم يمكن أن يدفع شركات الشحن ومالكي الناقلات وشركات التأمين والمشترين إلى إعادة حساب تكلفة الرحلة والمخاطر المرتبطة بها.
ومن ثم، تصبح أقساط التأمين المرتفعة، وزيادة أجور النقل، والحاجة إلى الحماية العسكرية، واستخدام مسارات أكثر تعقيداً جزءاً من تأثير الضغط الإيراني، حتى عندما تستمر الناقلات في الحركة.
لكن عزيزي يرى في الوقت نفسه أن الجمع بين المبادرات الاقتصادية الإماراتية والتحركات العسكرية والعملياتية الأميركية وضع استراتيجية إيران لتعطيل الملاحة أمام مشكلة حقيقية.
«ناقلات مكوكية» إماراتية
ومن أبرز الأدوات الجديدة التي ساعدت على إعادة تدفق النفط ظهور شبكة واسعة من ناقلات النفط المكوكية أو الشاتل.
وتتحرك هذه الناقلات بين موانئ الخليج ومناطق نقل الشحنات خارج المضيق، حيث تسلم النفط إلى ناقلات أخرى تتولى الرحلة الطويلة باتجاه الأسواق العالمية.
ووفق بيانات «كبلر»، دخلت ما لا يقل عن 63 ناقلة نفط عملاقة ضمن هذه الشبكة، بينها 35 ناقلة تعمل بصورة منتظمة وتنجز رحلة ذهاب وإياب كل 16 يوماً تقريباً.
وفي آب وحده، جرى نقل أكثر من 70% من النفط الخام الذي عبر هرمز من سفينة إلى أخرى قرب الفجيرة.
وتكشف هذه الآلية كيف استطاعت الإمارات ودول أخرى الحفاظ على حركة النفط، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن الثمن الإضافي.
فنقل الشحنات من ناقلة إلى أخرى، وتوفير عدد أكبر من السفن، والتأمين، والحماية العسكرية، كلها ترفع تكلفة تصدير البرميل.
العراق يدفع ثمن استمرار الصادرات
ويظهر العراق مثالاً واضحاً على أن عودة حجم الصادرات لا تعني بالضرورة عودة الإيرادات إلى طبيعتها.
فوفق وثيقة اطلعت عليها «بلومبرغ» ونقلتها المادة، قدمت شركة تسويق النفط العراقية «سومو» خصومات كبيرة لمشتري شحنات تشرين الأول الذين يتسلمون النفط العراقي في الخليج.
وبلغ الخصم على خام البصرة المتوسط 34.5 دولاراً للبرميل قياساً بالمؤشرات المرجعية في سوق الوجهة، بينما وصل الخصم على خام البصرة الثقيل إلى 37 دولاراً.
وفي الوقت نفسه، تظهر بيانات «كبلر» أن صادرات العراق ارتفعت في أيلول إلى ما لا يقل عن 2.6 مليون برميل يومياً.
وهكذا نجح العراق في رفع الكميات المصدرة، لكن مقابل تكلفة تجارية كبيرة، ما يعني أن الحفاظ على عدد البراميل الخارجة لا يساوي بالضرورة الحفاظ على العائد المالي لكل برميل.
ويعتقد عزيزي أن هذه الترتيبات قد تواجه مشكلة في الاستمرار على المدى الطويل، سواء تعلق الأمر بالخصومات التي تتحملها الدول المصدرة أو بتكاليف تغطية المخاطر في الحالة الإماراتية، فضلاً عن تكلفة الدعم العسكري بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
النفط عاد.. لكن ماذا عن الغاز؟
وهنا تظهر إحدى أهم الثغرات في الحديث عن عودة هرمز إلى الوضع الطبيعي. فالأرقام المرتفعة تتعلق بصورة رئيسية بالنفط الخام، وليس بكل التجارة العابرة للمضيق.
وتظهر تقديرات «كبلر» أن حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال «LNG»، وغاز البترول المسال «LPG»، والبتروكيماويات والمشتقات النفطية لا تزال أقل بصورة كبيرة من مستويات ما قبل الحرب.
وفي المتوسط الأسبوعي المنتهي في 28 أيلول، سجلت المؤسسة خروج نحو 13.5 مليون برميل من النفط الخام يومياً عبر هرمز، وهو مستوى يقترب من خط الأساس قبل الحرب.
لكن أحجام مجموعة المنتجات الأخرى ظلت أقل بنحو 81% من المستوى السابق.
وهذه الفجوة مهمة بصورة خاصة بالنسبة إلى قطر، التي تعتمد على المضيق في صادرات الغاز، كما أن تجارة الأسمدة والمواد الكيميائية وواردات دول الخليج لا تظهر في أرقام صادرات النفط الخام.
لذلك فإن الحديث عن «عودة هرمز» استناداً إلى عدد ناقلات النفط وحدها يقدم صورة غير مكتملة.
الواردات مشكلة أخرى
ولا يتعلق الأمر بالصادرات فقط. فدول الخليج تحتاج إلى استقبال السفن المحملة بالسلع والمواد والمعدات، وبالتالي فإن نجاحها في إخراج النفط لا يعني بالضرورة أن حركة السفن الداخلة إلى الخليج عادت إلى طبيعتها.
وبحسب المادة، لم تتبلور حتى الآن آلية قادرة على حل هذه المشكلة بصورة كاملة.
ولهذا فإن استعادة صادرات الخام تمثل نجاحاً مهماً للترتيبات الجديدة، لكنها لا تعني استعادة كامل منظومة التجارة البحرية في الخليج.
من يملك اليد العليا؟
في قراءة موازين القوة الحالية، يرى سايمون هندرسون، الباحث في معهد واشنطن والمتخصص في شؤون الخليج، أن الولايات المتحدة باتت تمتلك التفوق العسكري في الخليج، وأنها نجحت في مواجهة جانب من التهديدات الإيرانية وإخراج كميات كبيرة من النفط عبر الممر الجنوبي القريب من عُمان.
وبحسب تقييمه، فإن ميزان اللحظة الحالية يميل عسكرياً لمصلحة الولايات المتحدة، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن مدة استمرار هذا الوضع غير معروفة.
وهنا تكمن نقطة الفصل بين القول إن إيران تواجه تراجعاً في قدرتها على فرض إرادتها، وبين القول إنها فقدت السيطرة على هرمز بالكامل.
فالولايات المتحدة ودول المنطقة نجحت في تقليص فاعلية التهديد الإيراني بالنسبة إلى صادرات النفط الخام، لكنها لم تلغِ المخاطر ولم تعد حركة التجارة الشاملة إلى مستويات ما قبل الحرب.
لماذا لم ينخفض سعر النفط؟
السؤال الآخر هو: إذا عادت صادرات النفط الخام تقريباً إلى مستويات ما قبل الحرب، فلماذا بقيت الأسعار مرتفعة؟
هناك أربعة عوامل رئيسية.
أولها أن الأسواق لا تزال غير مقتنعة بأن التدفقات الحالية قابلة للاستمرار. ففي فترة وقف إطلاق النار خلال حزيران وتموز، أدى اقتراب الصادرات من مستويات مماثلة إلى تراجع خام برنت إلى نحو 70 دولاراً للبرميل، بينما لم يحدث الأمر نفسه هذه المرة، في مؤشر إلى استمرار تسعير احتمال تجدد المواجهة وتعطل الإمدادات.
ثانياً، استُهلك منذ بداية الحرب أكثر من 500 مليون برميل من المخزونات النفطية العالمية، بالتزامن مع عودة ارتفاع المشتريات الصينية، ما أدى إلى تقليص هامش الأمان المتاح للسوق.
ثالثاً، لا تزال صادرات المشتقات الأساسية، ومنها الديزل ووقود الطائرات، أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية.
ورابعاً، أصبحت عملية إيصال النفط إلى السوق أكثر تكلفة وتعقيداً، بسبب ارتفاع أجور الناقلات، وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، والمسارات البديلة، ونفقات الحماية والتدابير الأمنية.
هل فقدت إيران ورقة هرمز؟
المعطيات الحالية لا تقدم إجابة بسيطة بـ«نعم» أو «لا».
فمن ناحية، تواجه إيران حقيقة جديدة: صادراتها النفطية عبر هرمز شبه متوقفة، بينما تمكن جيرانها العرب من إعادة معظم صادرات الخام إلى الأسواق.
كما نجحت الولايات المتحدة ودول الخليج، عبر التفوق العسكري والممرات البديلة وخطوط الأنابيب وناقلات الشاتل وتحمل تكاليف إضافية، في تقليص قدرة طهران على تنفيذ تهديدها بمنع الآخرين من التصدير إذا مُنعت هي من ذلك.
لكن من ناحية أخرى، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها.
الهجمات لم تتوقف، وتكاليف التأمين والنقل والحماية ارتفعت، وصادرات الغاز والمشتقات والبتروكيماويات ما زالت متضررة بشدة، فيما لا تزال حركة الواردات تواجه مشكلة، وتحتاج استمرارية النظام الجديد إلى إنفاق مالي وعسكري كبير.
لذلك، فإن الأدق هو القول إن ورقة هرمز الإيرانية تعرضت لتآكل واضح، لكنها لم تفقد تأثيرها بالكامل.
فالاختبار الحقيقي لم يعد فقط في قدرة إيران على إيقاف ناقلة أو مهاجمتها، وإنما في سؤال مختلف: إلى متى تستطيع الولايات المتحدة ودول الخليج تحمل التكلفة العسكرية والمالية والتجارية اللازمة لإبقاء المضيق مفتوحاً رغم استمرار التهديد؟
وبالمقابل، إلى متى تستطيع إيران تحمل بقاء صادراتها النفطية مقيدة بينما يستمر منافسوها وجيرانها في الوصول إلى الأسواق؟
وبين هذين السؤالين، يبدو أن الصراع على هرمز انتقل من معركة «من يستطيع إغلاق المضيق؟» إلى معركة «من يستطيع تحمل كلفة إبقائه مفتوحاً أو مضطرباً لمدة أطول؟».
تعليقات الزوار