جعل الرسوم الجمركية رائجة مجدداً: ساحة المعركة الجديدة للتجارة العالمية
بقلم: مارتا رينمان - باحثة بالعلاقات الدولية والجيوسياسية والدبلوماسية المعاصرة
أحدثت الأشهر الأخيرة زلزالًا جيوسياسيًا في النظام الدولي القائم على القواعد، والذي وجّه السياسة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد تعرضت التجارة الدولية الحرة – وهي ركيزة أساسية في هذا النظام – لضغوط شديدة في السنوات الأخيرة، مع استمرار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منذ عام 2019. وقد تصاعد هذا التطور إلى مستويات غير مسبوقة مع الإدارة الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي فرض خناقاً صارماً على التجارة العالمية في أبريل 2025 عندما فرض رسوماً جمركية ضخمة ومتعددة الأرقام.
نهاية حقبة اقتصادية
وحتى "يوم تحرير" الرسوم الجمركية الذي أعلنه ترامب في عام 2025، كانت الحواجز أمام التجارة العالمية محدودة بموجب إطار منظمة التجارة العالمية (WTO)، التي عملت من خلال الاتفاقيات التجارية الثنائية المعممة وآلية مشتركة لتسوية المنازعات التجارية على تعزيز خفض الحواجز الجمركية وغير الجمركية، واستقرار التجارة العالمية وتوسيعها. إلا أن هذا الاتجاه قد انعكس في السنوات الأخيرة؛ حيث شهد عام 2025 زيادة ملحوظة في الرسوم الجمركية حول العالم، وانخفاضاً في التجارة العالمية.
وما يجعل هذا الاتجاه الحمائي لافتًا للانتباه هو أنه لا يقتصر على المنافسين الجيوسياسيين فحسب. فعلى سبيل المثال، فرض الرئيس ترامب رسومًا جمركية بنسبة %20 في ربيع عام 2025 على اليابان والاتحاد الأوروبي – وهم حلفاء تقليديون وشركاء تجاريون رئيسيون للولايات المتحدة منذ الحرب الباردة.
وبالمثل، هددت الولايات المتحدة جارتها المكسيك بفرض رسوم جمركية بنسبة %30 بسبب خلافات حول الهجرة والحدود، مما أثار الشكوك حول التجديد الوشيك لاتفاقية التجارة (USMCA) بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. ومع ذلك، أعلن ترامب في يونيو 2026 أنه سيتم تخفيض الرسوم الجمركية على المعدات الصناعية المنتجة في المكسيك وكندا والتي تحتوي على مدخلات أمريكية، وإن كانت ستظل عند مستوى %15.
وبالمثل، فإن ما يُسمى بـ "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والتي كانت ذات أهمية خاصة منذ مغادرة الأخيرة للاتحاد الأوروبي، لم تعنِ شيئًا عندما أطلق ترامب حزمته الجمركية الكبيرة في مارس 2025، مُخضعًا حليفه القديم لرسوم جمركية تتراوح بين %25 و%50.
من الرابح في حرب الرسوم الجمركية؟
برر الرئيس ترامب حرب الرسوم الجمركية التي يخوضها بالقول إنها تحمي الصناعات التحويلية والوظائف الأمريكية، وتواجه الممارسات التجارية غير العادلة المزعومة لشركاء الولايات المتحدة التجاريين منذ فترة طويلة، مما يؤدي في المحصلة إلى إحياء الاقتصاد الأمريكي. ومع ذلك، تشير التحليلات المستقلة إلى أن تكاليف الرسوم الجمركية يتم تحميلها بشكل أساسي للمستهلكين الأمريكيين، مما يرفع أسعار السلع الأساسية، ويهدد بالتضخم وانخفاض النمو الاقتصادي.
ومن منظور أوسع، فإن الارتفاع في الحواجز التجارية يرسخ التفاوتات الاقتصادية العالمية من خلال جعل الأمر أكثر صعوبة على الاقتصادات النامية – الواقعة أساسًا في أفريقيا وآسيا والتي تمتلك قوة تفاوضية اقتصادية أقل – لبيع منتجاتها في السوق العالمية.
فترات استقرار في خط اتجاه الحماية الجمركية
لكن الانتشار الأخير للرسوم الجمركية في الاقتصاد العالمي لا يعني أن التجارة الحرة في حالة تراجع عالمي وحتمي. فعلى سبيل المثال، وقع الاتحاد الأوروبي والهند مؤخرًا اتفاقية تجارة حرة استغرق إعدادها سنوات، في حين أن وضع اللمسات الأخيرة في عام 2026 على اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور الجديدة يعزز التجارة بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي وأوروبا من خلال خفض الرسوم الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية. ويحدث هذا في وقت تتفتت فيه الروابط القوية تاريخيًا بين أوروبا والولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت العلاقات التجارية جهود إصلاح في الأشهر الأخيرة، حيث توصلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق في أواخر عام 2025، يضع حدًا أقصى للرسوم الجمركية الأمريكية عند %15. ومع ذلك، ورغم أنها أقل بوضوح من رسوم "يوم التحرير" التي بلغت %20-%25، فإن الحواجز التجارية عبر الأطلسي على العديد من المنتجات لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل عام 2025، مما يعني أن التجارة لم تُستعد إلا جزئيًا إلى حالتها السابقة.
علاوة على ذلك، ورغم أن المحكمة العليا الأمريكية ألغت بعض الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب باعتبارها غير دستورية في بداية عام 2026، فإن هذا لم يمنع ترامب من استكشاف طرق أخرى لفرض الرسوم الجمركية من خلال إطلاق تحقيقات تتعلق بانتهاكات قانون العمل في 44 دولة. وبالفعل، اعتبر التحقيق أن كندا والإكوادور والاتحاد الأوروبي والمكسيك وباكستان مهملة في تطبيق قوانين العمل، مقترحاً فرض رسم جمركي عقابي بنسبة %10 على هذه الدول. وبالمثل، أمر ترامب بإجراء تحقيق مع اقتصادات كبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وتايوان بتهمة وجود فائض في القدرة التصنيعية، مهدداً مجدداً برفع الرسوم الجمركية على هذه الدول.
مشروطة الحرية
وبناءً على ذلك، تكتسب علاقات التجارة الحرة طابعًا جديدًا ومشروطًا بشكل متزايد يقوم على اتفاقيات ثنائية انتقائية وغالبًا ما تكون غير متكافئة وذات طبيعة صفقاتية، خارج إطار منظمة التجارة العالمية الحالي. على سبيل المثال، لم يحصل الاتحاد الأوروبي على رسوم جمركية مخفضة بموجب الاتفاقية التجارية الجديدة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلا مقابل وعود باستيراد المزيد من النفط الأمريكي. وبالمثل، شهدت العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والهند تقاربًا في وقت سابق من هذا العام، حيث وعدت الولايات المتحدة بخفض الرسوم الجمركية من %25 إلى %18. ويشترط ذلك فتح الهند لسوقها الزراعي المحمي أمام المنتجات الأمريكية، واستبدال واردات النفط الروسي بالنفط الأمريكي.
التجارة الحرة في ثوب جديد
إذن، ما تشير إليه هذه التطورات هو أن التجارة الحرة التي يحكمها نظام دولي مشترك من القواعد والإجراءات لم تعد أمراً مسلماً به كوضع قائم لا يواجه تحديات. وبالتالي، تسعى الدول بشكل متزايد إلى إقامة علاقات تجارة حرة بديلة مع تفتت العلاقات التقليدية. وهكذا، في حين لا يبدو أن التجارة الحرة ستختفي تمامًا في أي وقت قريب، يبدو أنها أصبحت مقتصرة على "تحالف الراغبين"، وحتى عندما يتم إعادة بنائها من خلال الاتفاقيات الثنائية، فإنها تظل ضيقة ومحفوفة بعدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ. ويمثل هذا تناقضاً صارخاً مع المعيار العالمي الذي أيدته وروّجت له الولايات المتحدة طويلاً بعد الحرب. في هذا النظام الجديد، ليست التجارة الحرة هي الوضع الافتراضي؛ بل يجب التفاوض عليها واكتسابها.
تعليقات الزوار