من هرمز إلى البحار الأربعة: بحث العراق عن أمن الطاقة
بقلم: د. مصعب الألوسي و ثيميستوكليس أستينيديس
أبرزت الاضطرابات في مضيق هرمز مدى هشاشة العراق الناتجة عن اعتماده المفرط على ممر بحري واحد، ما يفرض حاجة ملحة على بغداد لتنويع بنيتها التحتية للطاقة.
كان للحرب الإيرانية تأثير هائل على الاقتصاد العالمي، لكن قلة من الدول كانت معرضة لأزمة الطاقة مثل العراق. فعلى الرغم من امتلاكه بعضاً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، لا يزال العراق يعتمد بشكل كبير على صادرات الهيدروكربونات، ويعتمد بصورة كبيرة على مضيق هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية. ومع امتلاكه منفذاً ضيقاً فقط على الخليج وسنوات من إهمال الاستثمار في طرق تصدير بديلة، أصبح البلد معرضاً بشكل خاص لأي اضطرابات في المضيق.
وتواجه بغداد الآن ضغوطاً متزايدة لإعادة ضبط استراتيجيتها لتصدير الطاقة من خلال الاستثمار في منافذ بديلة إلى الأسواق العالمية، ولا سيما عبر تعزيز شبكات الأنابيب غرباً وشمالاً لتقليل الاعتماد على ممر بحري واحد. ومن شأن هذا التنويع ألا يعزز فقط مرونة الاقتصاد العراقي، بل أن يوفر أيضاً مرونة استراتيجية أكبر في التعامل مع النزاعات الإقليمية والصدمات الخارجية.
مخاطر الاعتماد
يصدر العراق معظم نفطه عبر مضيق هرمز، وقد فشل في تطوير طرق بديلة رغم المخاوف المستمرة بشأن هشاشة المضيق. ففي عام 2025، اعتمد ما يقرب من 90 في المئة من الموازنة الحكومية العراقية على صادرات النفط. كما ترتبط الكهرباء ورواتب القطاع العام وخطط الاستثمار بعائدات الهيدروكربونات، ما يجعل النفط حجر الأساس للاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد.
وقبل اندلاع الحرب، كان العراق يصدر 93 مليون برميل نفط شهرياً، إلا أن هذا الرقم انخفض بحلول أبريل/نيسان إلى 10 ملايين برميل، ما تسبب بأزمة مالية حادة لبغداد.
ورغم وجود خطوط أنابيب تربط العراق بالبحر المتوسط والبحر الأحمر عبر سوريا والسعودية والأردن منذ فترة طويلة، فإن الحسابات السياسية حالت مراراً دون الاستثمار فيها. ولا يزال جزء مؤثر من الطبقة السياسية العراقية مرتبطاً بشكل وثيق بطهران، ولا يبدي اهتماماً كبيراً بتنويع طرق التصدير بعيداً عن المسارات الخليجية التي تمر عبر المضيق. ويُبقي هذا الاعتماد المستمر قدرة إيران على امتلاك نفوذ مباشر على أسواق الطاقة العالمية خلال فترات التصعيد الإقليمي.
كما يحد هذا الاعتماد المفرط من استقلالية العراق الاستراتيجية، ويجبره على التفاعل مع الأزمات الإقليمية بدلاً من تجنبها. فأي اضطراب في الخليج يتحول فوراً إلى ضغوط مالية في بغداد، ما يفاقم حالة عدم الاستقرار الداخلي. ومن دون طرق تصدير متنوعة، يظل العراق معرضاً هيكلياً لصدمات خارجية لا يملك قدرة كبيرة على التخفيف من آثارها.
تحول في صادرات النفط
بطبيعة الحال، يسارع العراق إلى إيجاد طرق لتجاوز مضيق هرمز والبحث عن ممرات بديلة. ويعكس ذلك تحولاً في حسابات بغداد، مع تركيز متجدد على التصدير عبر دول الجوار مثل الأردن وتركيا وسوريا.
ويشير تقرير حديث لمعهد "نيو لاينز" إلى أن إنشاء خط أنابيب جديد إلى سوريا بطاقة 1.4 مليون برميل يومياً أمر ممكن من الناحية الفنية، ويمكن أن يساعد في معالجة "الحاجة الملحة للعراق لتنويع طرق تصديره بعيداً عن موانئ البصرة"، وفي الوقت ذاته دعم إعادة الإعمار الاقتصادي في سوريا.
وبالنسبة للعراق، فإن الجزء الأكثر أهمية من هذا المقترح يتمثل في إعادة تأهيل وتوسيع الممر العراقي ـ السوري، وهو نسخة حديثة من خط كركوك ـ بانياس التاريخي الذي بُني عليه ازدهار العراق في الماضي. وسيسمح هذا المسار بنقل النفط العراقي غرباً نحو البحر المتوسط والأسواق الأوروبية بدلاً من الاعتماد على الصادرات البحرية الجنوبية المعرضة بشدة للاضطرابات الجيوسياسية.
كما أن إحياء ممرات التصدير الغربية من شأنه أن يعمق اندماج العراق في شبكات الطاقة المتوسطية، ويقلل من الأهمية الاستراتيجية للاختناقات التصديرية الجنوبية. وسيوفر ذلك لبغداد مرونة أكبر في الاستجابة للاضطرابات الإقليمية، مع تحسين استقرار الإيرادات على المدى الطويل. ومن شأن هذا التنويع أيضاً أن يعزز الموقع الجيوسياسي للعراق بين الكتل الإقليمية المتنافسة، عبر تقليل الاعتماد على طريق تصدير واحد.
طريق بغداد نحو أمن الطاقة
ليست سوريا الخيار الوحيد أمام صادرات النفط العراقية. فمن خلال توسيع وإعادة تأهيل ممرات التصدير البديلة، مثل خطوط الأنابيب عبر تركيا أو الأردن أو السعودية، سيتمكن العراق من تقليل تعرضه للاضطرابات الإقليمية وصدمات الإمدادات المفاجئة.
كما أن هذا التنويع سيعزز قدرة العراق التفاوضية في صفقات الطاقة الثنائية، إذ سينظر المشترون إلى الإمدادات العراقية على أنها أقل تعرضاً للمخاطر الجيوسياسية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن تدفقات الصادرات الأكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ ستؤدي إلى خفض تكاليف النقل والتأمين بمرور الوقت.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن تقليل الاعتماد على مضيق هرمز سيمنح العراق مساحة أكبر لتحقيق التوازن في علاقاته مع القوى الإقليمية المتنافسة، ولا سيما إيران ودول الخليج، من دون السماح للتوترات في هذا الممر الضيق بتهديد استقراره المالي.
وعلى المدى الطويل، يمكن لتنويع البنية التحتية أن يدعم أيضاً تطوير التخطيط الاقتصادي غير النفطي من خلال تقليل تقلبات إيرادات الدولة. ومن شأن التوقعات المالية الأكثر موثوقية أن تعزز ثقة المستثمرين باستقرار الاقتصاد الكلي في العراق، وتشجع الاستثمار المحلي والأجنبي.
لقد كشفت الحرب الإيرانية بشكل أكبر أن هيكل الصادرات العراقي لم يتطور بما يتناسب مع حجم تعرضه الجيوسياسي، وأظهرت مدى سرعة تحول النزاعات الإقليمية إلى ضغوط مالية واضطرابات أوسع في الحوكمة الداخلية.
وتعكس هذه الهشاشة أخطاء سياسية طويلة الأمد جعلت العراق يعتمد على طريق تصدير ضيق ومعرضاً بشكل كبير لمخاطر الاختناقات البحرية والصدمات الخارجية الخارجة عن سيطرته. وتمتد تداعيات ذلك إلى ما هو أبعد من الاستقرار الاقتصادي الكلي، لتطال سيادة العراق الأوسع في اتخاذ القرار.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل البنية التحتية للطاقة عن الاستقرار السياسي. فبدون طرق تصدير متنوعة، سيبقى العراق عالقاً بشكل دائم في وضعية رد الفعل تجاه التطورات في الخليج.
ولذلك، تحتاج بغداد بشكل ملح إلى تحول استراتيجي يركز على إعادة تأهيل وتوسيع ممرات الأنابيب باتجاه البحر المتوسط والبحر الأحمر.
ومن شأن هذه السياسة أن تمثل إعادة توجيه للموقع الجيوسياسي للعراق. إذ إن التنويع سيعزز القدرة التفاوضية في أسواق الطاقة، ويقلل التعرض لعلاوات المخاطر، ويتيح للعراق تحقيق توازن أفضل في علاقاته بين الفاعلين الإقليميين المتنافسين، من دون السماح لأي ممر اختناق واحد أو بنية تحالف معينة بالهيمنة على بقائه الاقتصادي.
وفي النهاية، سيعتمد استقرار العراق طويل الأمد على قدرته على تحويل ثروته النفطية إلى بنية تحتية مرنة. ومن دون هذا التحول، فإن البلاد تخاطر بالبقاء عرضة باستمرار للصدمات الخارجية التي تقوض تنميتها الاقتصادية وتماسكها السياسي.
تعليقات الزوار