En

لماذا تتكلم المرجعية بهذه اللغة؟

محمد جاسم الجبوري _ مساعد رئيس مؤسسة غداً لإدارة المخاطر

مستويات الخطاب في بيانات السيد السيستاني ( دام ظله ) . 

عند قراءة بيانات السيد السيستاني ( دام ظله ) أو متابعة مواقفه، يقع بعض الناس في خطأ شائع: يظن أن الكلام موجّه إليه وحده. فإذا لم يجد في البيان لغة حادة أو عاطفية كما يتوقعها الشارع في لحظات التوتر، يظن أن الموقف بارد أو أقل من حجم الحدث. لكن الحقيقة أن المرجعية حين تتكلم لا تخاطب جمهوراً واحداً، بل عدة مستويات في آنٍ واحد.

أول هذه المستويات هو دائرة المقلدين والبيئة الشيعية القريبة من المرجعية، وهي الدائرة التي ترتبط بها  ارتباطاً فقهياً ودينياً مباشراً . 

ثم هناك مستوى العراق، حيث تُصاغ المفردات بما يراعي بلداً متنوعاً في انتماءاته الدينية والسياسية.

بعد ذلك يأتي المستوى الإقليمي، لأن مواقف المرجعية تُتابَع بدقة من قِبل دول المنطقة.

وأخيراً هناك المستوى الدولي، حيث تُقرأ كلماتها في سياق أوسع يتجاوز حدود العراق.

 

من هنا يمكن فهم طبيعة اللغة التي تظهر في البيانات والخطب والمواقف  . فعندما نجد مفردات مثل القانون الدولي أو حقوق الإنسان أو الشرعية الدولية، قد يظن البعض أن هذه لغة دبلوماسية باردة. لكن هذه المفردات ليست موجّهة للشارع الغاضب، بل للمستوى الدولي الذي يتعامل بهذه اللغة ويحتكم إليها.

 

لهذا فإنها ، عندما تصدر موقفاً أو بياناً، تحسب بدقة أثر كل كلمة. فالكلام لا ينعكس فقط داخل الوسط الشيعي، بل قد يُفسَّر في المنطقة والعالم على أنه مؤشر على موقع العراق في التوازنات السياسية الجارية.

 

وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا لم تدفع المرجعية في بعض المراحل باتجاه فتاوى مواجهة مباشرة. فالموقف المتعجل قد يمنح خصوم التشيع الذريعة التي يبحثون عنها. أما مخاطبتهم بلغة القانون الدولي والشرعية، فهي طريقة تُحرجهم وتُلزمهم بالمعايير التي يعلنون هم أنفسهم الالتزام بها.

 

التحدي الحقيقي يظهر في لحظات الأزمات. ففي تلك اللحظات ترتفع المشاعر التعبوية، ويصبح المزاج العام ميّالًا إلى المواقف السريعة والحادة. لكن القيادة الحكيمة لا تدير الأمور بمنطق الانفعال الآني، بل تنظر إلى الامور بصورة أوسع.

القائد الحكيم يوازن بين إدارة اللحظة الراهنة، وبين التكتيك في المدى القريب، وبين المسار الاستراتيجي الطويل لمسيرة التشيع. 

ومن يفهم هذه الطريقة في الخطاب يدرك أن هدوء المفردات لا يعني ضعف الموقف، بل يعكس أسلوب قيادة يعرف كيف يدير صراعاً معقداً دون أن يمنح الآخرين الفرصة لتحويل الكلمة إلى ذريعة.

تعليقات الزوار