En

توسع الطاقة المتجددة يواجه مخاطر متزايدة.. تقرير يحذر من كلفة البنية التحتية وتأثيرها على الاستثمارات

حذّر تقرير حديث صادر عن شركة FM المتخصصة في تأمين الممتلكات التجارية من أن المخاطر المرتبطة بالطاقة المتجددة وتقنيات توليد الكهرباء الناشئة تتزايد بوتيرة أسرع من توسع البنية التحتية لقطاع الطاقة عالمياً، ما يثير مخاوف بشأن ارتفاع تكاليف الإنشاء وأقساط التأمين وتراجع العوائد الاستثمارية، في وقت تتسارع فيه مشروعات التحول نحو الطاقة النظيفة وتزداد الحاجة إلى الكهرباء بفعل التوسع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتحول الكهربائي.

وذكر التقرير، الذي نشرته منصة «تيك نود غلوبال» الجمعة 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أن التوسع السريع في البنية التحتية للطاقة، مدفوعاً بالطلب المتزايد على الكهرباء والتحول في أنظمة الطاقة، يفرض تحديات ومخاطر جديدة على مختلف مراحل تنفيذ الأصول والمشروعات، بدءاً من اختيار المواقع والتقنيات، مروراً بالإنشاء والتشغيل، وصولاً إلى التأمين والاستثمار.

ويغطي تقرير FM للطاقة والطاقة المتجددة مجموعة من التقنيات، من بينها أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، ومشروعات الطاقة المتجددة، ومحطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز، والمفاعلات النووية المعيارية الصغيرة، مسلطاً الضوء على صعوبات إدارة المخاطر المرتبطة بتقنيات لا تمتلك في كثير من الأحيان سجلاً تشغيلياً طويلاً على نطاق واسع، الأمر الذي يجعل تقييم أدائها وقدرتها على تحمل الظروف التشغيلية الفعلية أكثر تعقيداً.

تقنيات جديدة ومخاطر غير محسوبة

واستند التقرير إلى استطلاع شمل 750 مسؤولاً عن قرارات إدارة المخاطر في قطاع الطاقة، و150 وسيطاً تأمينياً، و150 جهة تمويلية في مختلف أنحاء العالم، وأظهرت نتائجه أن 59% من شركات الطاقة تعد اعتماد التقنيات الجديدة أحد أبرز العوامل التي تدفع إلى ارتفاع تكاليف المخاطر.

وفي مؤشر على تنامي الاهتمام بالتقنيات الناشئة، أفادت 39% من شركات الطاقة المشاركة في الاستطلاع بأنها تخطط لزيادة قدرتها الإنتاجية من المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما يعكس اتساع توجه القطاع نحو تنويع مصادر التوليد والاستفادة من التقنيات الجديدة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء.

لكن هذا التوسع يصطدم بمحدودية الخبرة التشغيلية المتراكمة في عدد من هذه التقنيات، إذ لا تزال قدرتها على العمل بكفاءة واستقرار في الظروف الواقعية، ولا سيما عند دمجها ضمن أنظمة طاقة هجينة تجمع أكثر من تقنية، موضع تساؤل لدى العاملين في القطاع.

وقال 46% من المشاركين إنهم غير متأكدين من كيفية أداء التقنيات الجديدة عند تعرضها لضغوط تشغيلية فعلية، وهو ما يعكس فجوة بين سرعة إدخال الابتكارات إلى مشروعات الطاقة وبين توافر البيانات والخبرات الكافية لتقييم المخاطر المرتبطة بها.

وتبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة في المشروعات التي تجمع بين مصادر التوليد المتجددة وأنظمة تخزين البطاريات وشبكات الكهرباء التقليدية، إذ يتطلب ضمان استقرار الإمدادات فهماً دقيقاً لطبيعة التفاعل بين هذه المكونات، ومدى قدرتها على العمل بصورة متكاملة عند تغير الأحمال أو حدوث أعطال أو ظروف تشغيل استثنائية.

ارتفاع تكاليف الإنشاء والتأمين وتراجع العوائد

ولا تقتصر تداعيات المخاطر على الجوانب الفنية والتشغيلية، بل تمتد إلى الجدوى الاقتصادية للمشروعات، إذ أظهر التقرير أن عدم اليقين بشأن قدرة البنية التحتية للطاقة على الصمود والاستمرار ينعكس بصورة مباشرة على تكاليف التنفيذ وشروط التأمين وجاذبية الاستثمار.

ووفقاً لنتائج الاستطلاع، قالت 51% من شركات الطاقة إن عدم اليقين بشأن مرونة البنية التحتية يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنشاء، فيما أشارت 46% إلى زيادة تكاليف التأمين، بينما أفادت 40% بتراجع العوائد على الاستثمار، ورأت 39% أن هذه المخاطر تجعل المشروعات أقل جاذبية للمستثمرين.

وتكشف هذه الأرقام عن تحدٍ متنامٍ أمام شركات الطاقة، يتمثل في الموازنة بين تسريع تنفيذ المشروعات لمواكبة الطلب المتزايد على الكهرباء، وبين تخصيص الموارد اللازمة لتقليل المخاطر المحتملة، إذ إن تجاهل الجوانب الهندسية والفنية في المراحل الأولى قد يؤدي إلى تكاليف إضافية يصعب احتواؤها بعد بدء الإنشاء أو التشغيل.

وأشار التقرير إلى أن الجهات التمويلية قدرت كلفة المخاطر بمستويات أعلى من تقديرات شركات الطاقة في عدد من الفئات، ما يعكس وجود فجوة في تقييم المخاطر بين الجهات التي تطور المشروعات وتلك التي توفر التمويل لها.

وقد يؤدي هذا الاختلاف في التقديرات إلى تشدد الجهات الممولة في شروط الاستثمار، أو المطالبة بضمانات إضافية، أو إعادة النظر في العوائد المتوقعة، خصوصاً في المشروعات التي تعتمد على تقنيات حديثة لم تخضع بعد لاختبارات تشغيلية واسعة النطاق.

اختيار المواقع.. نقطة ضعف في مشروعات الطاقة

ومن بين أبرز المخاطر التي تناولها التقرير مسألة اختيار مواقع تنفيذ مشروعات الطاقة، إذ قالت 78% من شركات الطاقة المشاركة إن القرارات المتعلقة بمواقع المشروعات تؤدي في كثير من الأحيان إلى ظهور مخاطر لاحقة لم تكن متوقعة عند اتخاذ قرار الإنشاء.

وتشمل هذه المخاطر طبيعة الظروف الجغرافية والمناخية للموقع، ومدى تعرضه للكوارث الطبيعية، وتوافر البنية التحتية اللازمة لربطه بشبكات الكهرباء، فضلاً عن قدرة الموقع على استيعاب التقنيات المختارة ومتطلبات التشغيل والصيانة على المدى الطويل.

وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة مع التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، التي تتطلب في كثير من الأحيان مساحات واسعة ومواقع ذات خصائص طبيعية محددة، مثل معدلات الإشعاع الشمسي وسرعة الرياح، إلى جانب ضرورة تقييم المخاطر البيئية والمناخية التي قد تؤثر في استمرارية الإنتاج.

وفي هذا السياق، أكد دوغ باترسون، نائب الرئيس الأول ومدير قسم الصناعات المتخصصة في شركة FM، أن شركات الطاقة تواجه ضغوطاً كبيرة لتوسيع قدراتها الإنتاجية بسرعة، غير أن القرارات المتخذة في المراحل الأولى للمشروعات قد تؤسس لمخاطر يصعب التعامل معها لاحقاً، وتكون معالجتها أكثر كلفة.

وأضاف أن القرارات الأهم المتعلقة بمرونة الأصول وقدرتها على الصمود تُتخذ غالباً عند اختيار المواقع والتقنيات والمعدات، مشدداً على ضرورة إشراك الخبرات الهندسية في هذه المرحلة، بما يتيح تحديد نقاط الضعف ومعالجتها قبل أن تتحول إلى مشكلات فعلية.

دور التأمين يتجاوز تغطية الأضرار

ويرى التقرير أن دور شركات التأمين ينبغي ألا يقتصر على توفير التغطية التأمينية بعد اكتمال المشروعات وبدء تشغيلها، بل يجب أن يمتد إلى المشاركة المبكرة في تقييم المخاطر وتقديم الخبرات الهندسية التي تساعد المطورين على الحد منها قبل تنفيذ المشروعات.

وأظهر الاستطلاع أن 71% من وسطاء التأمين يرون أن الخبرات الهندسية التي تقدمها شركات التأمين ذات قيمة خاصة في المشروعات التي تعتمد على تقنيات جديدة أو تُنفذ للمرة الأولى، فيما أشار 67% إلى أهمية هذه الخبرات في مشروعات الإنشاء والتطوير، وكذلك المشروعات المقامة في مناطق معرضة للكوارث الطبيعية.

 

وبحسب التقرير، يمكن للتقييمات الهندسية المبكرة أن تساعد المطورين على تحديد نقاط الضعف المرتبطة باختيار المواقع والتقنيات والتصاميم، بما يعزز قدرة الأصول على مواجهة المخاطر، ويحسن فرص حصولها على التغطية التأمينية، ويدعم ثقة المستثمرين بجدواها واستدامتها.

كما أظهرت النتائج أن 85% من المشاركين يتفقون على أن توفير الرؤية والخبرة الهندسية في المراحل الأولى من المشروع يمكن أن يحسن استقرار الأصول وقابليتها للتأمين ويعزز ثقة المستثمرين.

من جهته، قال كالفين كوان، الرئيس الإقليمي لشركة FM في جنوب شرق آسيا، إن اعتبارات المرونة والقدرة على الصمود ينبغي أن تكون جزءاً أساسياً من تخطيط البنية التحتية قبل بدء أعمال الإنشاء، لا أن يجري تقييمها بعد اكتمال الأصول، مشيراً إلى أن تطور أنظمة الطاقة ودخول تقنيات جديدة يفرضان إعادة النظر في أساليب إدارة المخاطر.

التحول في قطاع الطاقة أمام اختبار الاستدامة

وتعكس نتائج التقرير تحدياً أوسع يواجه قطاع الطاقة العالمي، يتمثل في أن التوسع في مصادر الطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة لا يرتبط فقط بزيادة القدرة الإنتاجية أو تسريع التحول بعيداً عن مصادر الطاقة التقليدية، بل يتطلب أيضاً تطوير البنية التحتية وأنظمة التخزين والشبكات وآليات إدارة المخاطر بالتوازي مع هذا التوسع.

فمع تنامي الطلب على الكهرباء نتيجة انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتحول نحو الاستخدام الكهربائي في قطاعات النقل والصناعة، تتزايد الضغوط على الحكومات وشركات الطاقة لتوفير إمدادات مستقرة وموثوقة. غير أن التوسع السريع، إذا لم يرافقه تخطيط هندسي دقيق وتقييم شامل للمخاطر، قد يرفع كلفة المشروعات ويضعف قدرتها على جذب التمويل والاستثمار.

وتشير نتائج التقرير إلى أن التحدي لا يكمن في تبني التقنيات الجديدة بحد ذاته، وإنما في مدى استعداد البنية التحتية والمؤسسات المعنية لاستيعابها، وقدرتها على إدارة المخاطر المرتبطة بتشغيلها على نطاق واسع.

وبذلك، تصبح الخبرة الهندسية والتقييم المبكر للمخاطر عنصرين أساسيين في نجاح التحول الطاقوي، ليس فقط لضمان سلامة المنشآت واستمرارية إنتاج الكهرباء، وإنما أيضاً لحماية الاستثمارات والحد من التكاليف الإضافية التي قد تتحملها الشركات والمستهلكون في المراحل اللاحقة.

تعليقات الزوار