طفرة الذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل الطلب على الطاقة وتفاقم مخاطر المعادن والديون
تتجاوز التداعيات الاقتصادية للانتشار السريع للذكاء الاصطناعي حدود قطاع التكنولوجيا، لتصل إلى شبكات الكهرباء وأسواق المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد والديون الحكومية وديون الشركات، في ترابط متزايد يثير تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب كلفة هذه الطفرة.
وبحسب تحليل نشرته وكالة «رويترز»، فإن الوعود بتوفير تقنيات أكثر ذكاءً وأقل كلفة تخفي خلفها بنية تحتية ضخمة تحتاج إلى استثمارات وطاقة ومواد أولية، فيما يتوسع الاعتماد على الاقتراض لتمويل مراكز البيانات والمشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب الخفي على الكهرباء
سلط الكاتب المتخصص في المال والأسواق مايك دولان الضوء على رسم بياني أعده مركز «بيو» للأبحاث، يوضح الحصة المتزايدة من المحتوى النصي المنشور على الإنترنت الذي يُنتج بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويكشف اتساع حجم المحتوى المؤتمت مدى السرعة التي تعيد بها هذه التقنيات تشكيل البيئة الرقمية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن الطاقة اللازمة لتشغيل النماذج والمنصات ومراكز البيانات التي تقف خلف هذا الإنتاج.
فكل توسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يتطلب قدرات حاسوبية أكبر، وهو ما يعني زيادة استهلاك الكهرباء والحاجة إلى إنشاء مراكز بيانات وشبكات نقل ومحطات توليد جديدة.
غير أن تقديرات الطلب المستقبلي على الطاقة قد تكون مضخمة، وفق ما تناوله الكاتب المتخصص في شؤون الطاقة رون بوسو، مستنداً إلى نتائج توصلت إليها الصحفية ليلى كيرني بشأن مراكز البيانات الأميركية التي تنتظر الربط بشبكات الكهرباء.
وتشير النتائج إلى أن عدداً كبيراً من هذه المراكز إما غير عامل فعلياً أو لا يزال مجرد مشروع مسجل على الورق، وهو ما أفرز ظاهرة أطلق عليها اسم «مراكز البيانات الشبحية».
وقد يؤدي احتساب هذه المنشآت ضمن الطلب المتوقع إلى تضخيم تقديرات استهلاك الكهرباء، ودفع شركات الطاقة والمستثمرين إلى توجيه أموال ضخمة لبناء قدرات توليد وشبكات قد لا تكون مطلوبة بالحجم المتوقع.
سباق المعادن الحيوية يضغط على معايير المسؤولية
لا تتوقف متطلبات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي عند الكهرباء، بل تمتد إلى المعادن الحيوية المستخدمة في أشباه الموصلات والبطاريات وشبكات الطاقة ومعدات التكنولوجيا المتقدمة.
وفي هذا السياق، أشار الكاتب المتخصص في أسواق المعادن آندي هوم إلى تقرير صادر عن مركز «تشاتام هاوس»، دعا إلى ضمان استخراج مسؤول للمعادن الحيوية في ظل اشتداد المنافسة العالمية للسيطرة على مواردها وسلاسل توريدها.
وتحذر القراءة من أن السباق الدولي للحصول على هذه المعادن دفع المعايير البيئية والاجتماعية وقواعد الحوكمة إلى مرتبة متأخرة، مقابل إعطاء الأولوية لزيادة الإنتاج وتأمين الإمدادات.
لكن الضغوط التي تمارسها الحكومات والمجتمعات المحلية على شركات التعدين تتزايد، إذ ارتفع عدد التقارير المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في هذا القطاع بنسبة 73 في المئة خلال عام 2025.
وتشير هذه الزيادة إلى تصاعد المعارضة الشعبية للممارسات الغامضة أو الخطرة في قطاع التعدين، وإلى أن توفير المعادن الضرورية للتحول التكنولوجي لن يكون مقبولاً إذا جاء على حساب البيئة وحقوق السكان والعاملين.
وتواجه الحكومات والشركات، بناءً على ذلك، معادلة صعبة تتمثل في تأمين المواد الأولية الضرورية للتكنولوجيا والطاقة النظيفة، مع الحفاظ على معايير الشفافية والحوكمة وحماية المجتمعات المتأثرة بعمليات الاستخراج.
هل يمكن تكرار التجربة الصينية؟
تناول الكاتب المتخصص في التحول العالمي للطاقة غافين ماغواير العناصر التي يمكن للدول الأخرى الاستفادة منها في تجربة الصين للانتقال إلى مصادر طاقة أكثر نظافة.
واستثمرت الصين على نطاق واسع في الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية والبطاريات والبنية التحتية والشبكات الصناعية المرتبطة بها، ما منحها موقعاً متقدماً في عدد من تقنيات التحول الطاقي.
لكن نقل التجربة الصينية إلى اقتصادات أخرى لا يضمن تحقيق النتائج نفسها، بسبب اختلاف حجم الأسواق، وقدرات الدولة التمويلية، والبنية الصناعية، والموارد المتاحة، وطبيعة أنظمة الحكم واتخاذ القرار.
ولذلك يتعين على الدول التي تسعى إلى تبني عناصر من النموذج الصيني دراسة التكاليف والمكاسب المحتملة، وعدم التعامل معه بوصفه نموذجاً جاهزاً يصلح لجميع الاقتصادات.
مضيق هرمز يعيد رسم طرق الطاقة
بدوره، تناول الكاتب المتخصص في أسواق السلع والطاقة الآسيوية كلايد راسل المسارات المحتملة لنقل إمدادات النفط والغاز من الشرق الأوسط، في ظل استمرار الأزمة المحيطة بمضيق هرمز وتصاعد المخاطر التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية.
وتدفع الاضطرابات المرتبطة بالمضيق الدول المنتجة والمستهلكين إلى دراسة طرق بديلة لنقل النفط والغاز، بهدف تقليل الاعتماد على ممر بحري واحد بالغ الأهمية للأسواق العالمية.
غير أن تطوير طرق بديلة يحتاج إلى استثمارات كبيرة في خطوط الأنابيب والموانئ ومرافق التخزين والنقل، ولا يمكن إنجازه باعتباره حلاً سريعاً لأزمة طارئة.
وتظهر أزمة هرمز أن أمن الطاقة لا يعتمد على حجم الموارد وحده، بل يتطلب أيضاً تنويع طرق التصدير وبناء احتياطيات استراتيجية وتعزيز قدرة سلاسل الإمداد على مواجهة الصدمات الجيوسياسية.
القيود التجارية وسلاسل الإمداد
وفي محور آخر، استعرضت المحررة آنا زيمانسكي حواراً بين بيتر ثال لارسن، المحرر العالمي في «رويترز بريكنغ فيوز»، والصحفي والكاتب إد كونواي، بشأن تأثير الاختناقات والقيود التجارية في حركة الاقتصاد العالمي.
وتشمل هذه القيود الرسوم الجمركية الأميركية والقيود الصينية المفروضة على صادرات المعادن الأرضية النادرة، التي تدخل في تصنيع العديد من المنتجات التكنولوجية والعسكرية ومعدات الطاقة المتجددة.
وتسعى الحكومات من خلال هذه الأدوات إلى حماية صناعاتها أو الضغط على منافسيها أو ضمان الاحتفاظ بالموارد الاستراتيجية، إلا أن محاولات تقييد التبادل الدولي للسلع والموارد غالباً ما تواجه صعوبة في تحقيق نتائج دائمة.
فالقيود التجارية قد تدفع الشركات إلى البحث عن موردين ومسارات وأسواق بديلة، كما قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإبطاء الإنتاج وإعادة تشكيل سلاسل التوريد بدلاً من وقفها تماماً.
موجة ديون وراء طفرة الذكاء الاصطناعي
إلى جانب الطلب المتزايد على الكهرباء والمعادن، تتوسع عمليات الاقتراض المخصصة لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ويرى الكاتب المتخصص في الأسواق جيمي ماكغيفر أن الشركات تجمع مبالغ متزايدة من أسواق الدين لبناء مراكز البيانات وتطوير الرقائق وتوسيع القدرات الحاسوبية وشبكات الطاقة المرتبطة بها.
ويثير هذا التوسع تساؤلات بشأن تأثير إصدار المزيد من ديون الشركات في الأسواق المالية، ولا سيما عوائد سندات الخزانة الأميركية، في وقت تواصل فيه الحكومة الأميركية بدورها زيادة الاقتراض.
وناقشت ريبيكا باترسون وسيباستيان مالابي، من مجلس العلاقات الخارجية، مع تورستن سلوك، الشريك وكبير الاقتصاديين في شركة «أبولو»، المخاطر المحتملة على الأسواق والوضع الأوسع للمالية العامة الأميركية.
ويتمثل السؤال المركزي في ما إذا كانت موجة تمويل الذكاء الاصطناعي عبر الديون قد تتحول إلى خطر منهجي يهدد الأسواق، أم أن المخاوف المتعلقة بنتائجها مبالغ فيها.
وتعتمد الإجابة على قدرة الاستثمارات الجديدة على تحقيق إيرادات وأرباح تكفي لخدمة الديون. فإذا رفعت تقنيات الذكاء الاصطناعي الإنتاجية وولدت عوائد قوية، فقد تصبح الالتزامات المالية قابلة للإدارة، أما إذا كانت التوقعات بشأن الطلب والعوائد مبالغاً فيها، فقد تواجه الشركات أصولاً مرتفعة الكلفة وديوناً يصعب سدادها.
مخاطر مترابطة أمام الاقتصاد العالمي
تكشف هذه التطورات أن طفرة الذكاء الاصطناعي ليست تحولاً تقنياً منفصلاً، بل جزء من معادلة عالمية تجمع بين التكنولوجيا والطاقة والمواد الأولية والتجارة والتمويل.
فمراكز البيانات تحتاج إلى الكهرباء، وزيادة إنتاج الطاقة والتقنيات المتقدمة تحتاج إلى المعادن الحيوية، وتأمين هذه الموارد يشعل المنافسة التجارية والجيوسياسية، بينما يجري تمويل جزء كبير من البنية التحتية الجديدة عن طريق الاقتراض.
ومن هنا، لا تكمن المخاطر في قطاع واحد، بل في انتقال الصدمات بين القطاعات؛ فقد يؤدي تضخيم توقعات الطلب على الكهرباء إلى استثمارات غير ضرورية، فيما يمكن للقيود على المعادن الحيوية أن تعطل المشاريع وترفع كلفتها، وقد يؤدي الاقتراض المفرط إلى ضغوط مالية إذا لم تتحقق العوائد المتوقعة.
وتضع هذه المعادلة الحكومات والشركات أمام ضرورة الموازنة بين تسريع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وضمان أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وحماية المعايير البيئية والاجتماعية، ومنع تراكم ديون قد تصبح عبئاً على الاقتصاد العالمي.
وبذلك تتحول طفرة الذكاء الاصطناعي من سباق تقني إلى اختبار اقتصادي شامل، ستكون نتيجته مرتبطة بقدرة الدول والأسواق على إدارة الطلب الحقيقي على الطاقة، وتنظيم استخراج المعادن، وتنويع الإمدادات، وتوجيه الاقتراض نحو استثمارات منتجة وقابلة للاستمرار.
تعليقات الزوار