En

المخاطر المناخية تعيد تشكيل العمل متعدد الأطراف.. هل يتطور النظام الدولي لمواجهة الأزمات؟

تشهد الدبلوماسية المناخية تحولاً متسارعاً في آليات عملها، مع بروز منصات وتحالفات جديدة تجمع الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات المالية والبحثية، في محاولة لتسريع الاستجابة للمخاطر المناخية التي باتت تتجاوز حدود البيئة لتطال الأمن والاقتصاد والاستقرار العالمي.

وفي مقال تحليلي نشرته الباحثة جاناني فيفيكاناندا وهي باحثة أولى في قضايا تغير المناخ والنزاعات في معهد تودا للسلام، ورئيسة برنامج دبلوماسية وأمن المناخ في مؤسسة adelphi الألمانية في 30 يوليو/تموز 2026، أكدت أن النظام متعدد الأطراف لا يتراجع، بل يعيد تشكيل نفسه عبر حوارات وائتلافات مرنة قادرة على التحرك بوتيرة أسرع من المؤسسات الدولية التقليدية.

من المفاوضات الرسمية إلى التحالفات المرنة

تشير الكاتبة إلى أن عدداً من أبرز النقاشات المتعلقة بالمناخ لم يعد يقتصر على مؤتمرات الأمم المتحدة، بل بات يجري في منصات موازية تضم الحكومات، والسلطات المحلية، والهيئات القضائية، والمستثمرين، وشركات التأمين، والقطاع الخاص، والباحثين، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني والشباب.

وتوضح أن فعاليات مثل أسبوع لندن للعمل المناخي، وحوار خليج البنغال للمناخ والسلام والأمن المزمع عقده في كولومبو، وأسبوع المناخ في نيويورك، ومؤتمر برلين للمناخ والأمن، أصبحت تشكل مساحات جديدة لتطوير السياسات وتحويل المخاطر المناخية إلى برامج تعاون عملية.

وترى أن هذه المبادرات لا تستبدل النظام متعدد الأطراف، وإنما تعكس تطوره نحو نموذج أكثر مرونة وتعددية.

المناخ يتحول إلى قضية أمن واقتصاد

بحسب المقال، لم يعد تغير المناخ يُنظر إليه باعتباره قضية بيئية بعيدة المدى، بل أصبح يُعامل باعتباره مصدراً للمخاطر النظامية التي تؤثر في الأمن، والتجارة، والاستقرار الاقتصادي، والصحة العامة، والتماسك الاجتماعي.

وتوضح الكاتبة أن هذا التحول في طريقة فهم الأزمة المناخية أتاح انخراط جهات جديدة تمتلك التمويل والأدوات التنفيذية، مثل وزارات المالية، والمؤسسات الدفاعية، وشركات التأمين، والهيئات التنظيمية.

كما برزت قضايا المياه والطبيعة باعتبارها مدخلاً عملياً لتقريب وجهات النظر، إذ تمثل أزمات المياه وانهيار النظم البيئية مشكلات ملموسة يسهل ربطها بالأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد، والهجرة، والاستقرار الاقتصادي.

الفرصة.. والمأزق

يرى المقال أن التحول الحالي يخلق فرصة مهمة، تتمثل في توسيع دائرة المشاركين في إدارة المخاطر المناخية، وربط السياسات البيئية بقطاعات الأمن والاقتصاد والتمويل.

لكن في المقابل، يحذر من خطر "التعددية غير المنسقة"، حيث قد تتحول كثرة المبادرات إلى حالة من التشتت، مع استمرار عمل كل قطاع بمعزل عن الآخر، وعدم وجود آليات حقيقية لدمج البيانات أو اتخاذ قرارات مشتركة.

ويشير إلى أن العالم ما زال يواجه صعوبة في الربط بين العلوم، والسياسات، والاقتصاد، والأمن، رغم الحديث المتكرر عن "الإدارة المتكاملة للمخاطر".

ثلاثة تحولات مطلوبة

ولمواجهة هذه الفجوة، يقترح المقال ثلاثة مسارات رئيسة:

إدراج مخاطر المياه والطبيعة ضمن تقييمات الأمن القومي والمخاطر الإقليمية، إلى جانب التهديدات الجيوسياسية التقليدية.

دمج ملف الأمن المناخي في السياسات الاقتصادية والتجارية والصناعية، وسلاسل الإمداد، والمعادن الحيوية، والأمن الغذائي، بدلاً من عزله داخل المؤسسات البيئية.

إنشاء آليات تربط المعرفة العلمية باحتياجات صناع القرار، عبر دمج الخبرات المحلية مع التحليلات العلمية والتقييمات الأمنية، وتحويلها إلى سياسات تنفيذية.

من الوعي إلى الجاهزية

تخلص الكاتبة إلى أن التحالفات الجديدة ليست بديلاً عن التعاون الدولي الرسمي، لكنها تعكس حراكاً عالمياً يتقدم أحياناً بوتيرة أسرع من المؤسسات التقليدية.

وترى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الإدراك المتزايد للمخاطر إلى جاهزية عملية، قبل أن تتحول الصدمات المناخية إلى أزمات شاملة تمس الاقتصاد العالمي، والتجارة، والصحة، والاستقرار الاجتماعي.

وتؤكد أن إعادة صياغة تغير المناخ باعتباره تهديداً للازدهار والأمن، وليس مجرد قضية بيئية، قد تسهم في حشد دعم سياسي أوسع، ودفع الحكومات إلى الاستثمار في الوقاية والاستعداد بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد وقوعها.

تعليقات الزوار