مخاطر المناخ تهز سوق الإسكان الأمريكي
كشف تقرير حديث صادر عن Realtor.com بعنوان "تقرير الإسكان ومخاطر المناخ 2026" أن المخاطر المناخية أصبحت أحد أبرز العوامل المؤثرة في سوق العقارات الأمريكي، مع تعرض ما يقرب من ربع المنازل في الولايات المتحدة لمخاطر شديدة أو بالغة نتيجة الفيضانات والحرائق والرياح، بقيمة إجمالية تصل إلى 11.2 تريليون دولار.
ويؤكد التقرير أن آثار التغير المناخي لم تعد مجرد تهديدات مستقبلية، بل تحولت إلى أعباء مالية مباشرة يتحملها أصحاب المنازل، من خلال ارتفاع رسوم الجمعيات السكنية، وزيادة أقساط التأمين، وارتفاع معدلات التعثر في سداد القروض العقارية، في وقت يواصل فيه المشترون الإقبال على المنازل الواقعة في المناطق عالية الخطورة رغم هذه المخاطر.
23% من المنازل الأمريكية تحت تهديد مباشر
أوضح التقرير أن 23.1% من المنازل الأمريكية تواجه حالياً مخاطر مناخية شديدة أو بالغة، سواء بسبب الرياح أو الفيضانات أو حرائق الغابات، وهو ما يجعل المخاطر المناخية من أكثر العوامل التي لا تزال أقل من قيمتها الحقيقية في سوق الإسكان الأمريكي.
وأشار إلى أن ملايين الأمريكيين يختارون منازلهم عادة بناءً على السعر والموقع، إلا أن الكلفة الحقيقية للمخاطر المناخية غالباً لا تظهر إلا بعد سنوات من الشراء، عندما تبدأ النفقات الإضافية بالتراكم.
رسوم السكن ترتفع قبل وقوع الكوارث
وبيّن التقرير أن أصحاب المنازل في المناطق عالية المخاطر يدفعون رسوماً أعلى للجمعيات السكنية (HOA)، حتى قبل تعرضهم لأي كارثة طبيعية.
فقد بلغ متوسط الرسوم الشهرية للمنازل الواقعة في مناطق شديدة الخطورة 192 دولاراً، بزيادة 67 دولاراً أو ما يعادل 53.6% مقارنة بالمنازل الأقل تعرضاً للمخاطر.
أما بالنسبة للشقق السكنية والمجمعات المغلقة، فقد وصل متوسط الرسوم إلى 548 دولاراً شهرياً، مقابل 350 دولاراً فقط في المناطق منخفضة المخاطر.
وسجلت ولاية ديلاوير أعلى فارق في رسوم الجمعيات السكنية، تلتها ولايات ساوث كارولاينا، وأوريغون، وميريلاند، وبنسلفانيا.
كما جاءت مناطق بورتلاند، وواشنطن العاصمة، وسياتل، وكولومبوس، وبالتيمور ضمن المدن التي سجلت أعلى زيادات في هذه الرسوم.
التأمين ضد الفيضانات يفقد المشتركين
ورصد التقرير تراجعاً مستمراً في برنامج التأمين الوطني ضد الفيضانات (NFIP)، بالتزامن مع الارتفاع الكبير في أقساط التأمين.
فبين مايو/أيار 2025 ومايو/أيار 2026، انخفض عدد وثائق التأمين السارية من 3.62 ملايين إلى 3.45 ملايين وثيقة، أي بتراجع نسبته 4.5%.
وسجلت ولاية تكساس أكبر انخفاض بنسبة 7.8%، تلتها أوكلاهوما، وإيداهو، وميسيسيبي، وألاباما.
ويرجع التقرير هذا الانخفاض إلى نظام التسعير الجديد الذي يربط قيمة التأمين بدرجة المخاطر الفعلية لكل عقار، ما أدى إلى ارتفاع متوسط القسط السنوي المتوقع من 689 دولاراً إلى نحو 1288 دولاراً.
ويرى معدو التقرير أن هذه الزيادة دفعت عدداً متزايداً من الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود، إلى التخلي عن التأمين رغم إقامتها في مناطق معرضة للفيضانات.
مليونا منزل خارج خرائط الخطر الرسمية
وحذر التقرير من أن خرائط الفيضانات المعتمدة لدى الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA) لا تعكس الواقع بالكامل، إذ يوجد نحو مليوني منزل، تبلغ قيمتها قرابة تريليون دولار، معرضة لمخاطر فيضانات كبيرة دون أن تكون مصنفة رسمياً ضمن مناطق الخطر.
وبسبب ذلك، لا يُلزم المقرضون أصحاب هذه المنازل بالحصول على تأمين ضد الفيضانات، كما قد لا يكون المشترون على دراية بالمخاطر الحقيقية عند شراء العقار.
المناخ يفاقم التعثر في سداد القروض
وأشار التقرير إلى أن تداعيات التغير المناخي انعكست أيضاً على سوق التمويل العقاري. فقد سجلت ولايتا لويزيانا وميسيسيبي أعلى معدلات التعثر الخطير في سداد القروض العقارية، لتصل إلى 1.7% و1.4% على التوالي، مقارنة بالمتوسط الوطني البالغ 0.8%.
كما ارتفعت معدلات التعثر في ولايتي فلوريدا وتكساس إلى أكثر من 1% بحلول سبتمبر/أيلول 2025، بعد أن كانت عند حدود 0.5% فقط قبل عامين.
ويرى التقرير أن هذه الزيادات تعود إلى عاملين متداخلين، هما الخسائر المباشرة الناجمة عن الأعاصير والكوارث الطبيعية، والارتفاع المتواصل في أقساط التأمين، ما يزيد الضغوط المالية على أصحاب المنازل.
المشترون لا يبتعدون عن المناطق الخطرة
ورغم هذه التحديات، كشف التقرير أن سلوك المشترين لم يتغير بصورة جوهرية. ففي مقاطعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا، تُباع المنازل الواقعة في المناطق عالية الخطورة بسعر يقل بنحو 22% عن المنازل الأقل خطراً، لكنها تحظى بنسبة مشاهدة أعلى بلغت 48%.
وفي لوس أنجلوس، يقل سعر هذه المنازل بنحو 25%، فيما تجذب اهتماماً أكبر بنسبة 23%.
ويشير التقرير إلى أن عامل القدرة على تحمل الأسعار يدفع المشترين إلى قبول المخاطر المناخية، باعتبار أن انخفاض الأسعار يوفر فرصة لامتلاك منزل في أسواق تشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار.
تأثير الكوارث لا يدوم
وقدم التقرير مثالاً على ذلك من خلال حرائق لوس أنجلوس في يناير/كانون الثاني 2025.
فبعد اندلاع الحرائق، انخفض اهتمام المشترين بالمنازل عالية المخاطر بنحو 10%، إلا أن الطلب عاد إلى مستوياته الطبيعية خلال شهر واحد فقط، قبل أن يتجاوز مستوياته السابقة لاحقاً.
ويرى التقرير أن الضغوط المرتبطة بأسعار العقارات في كاليفورنيا أقوى من المخاوف المتعلقة بالمخاطر المناخية.
أسلوب الحياة يتغلب على المخاطر
وأشار التقرير إلى أن بعض المشترين يقبلون دفع أسعار أعلى مقابل منازل تقع في مناطق خطرة إذا كانت توفر مزايا طبيعية مميزة.
ففي مقاطعة آن أروندل بولاية ميريلاند، تباع المنازل الواقعة في المناطق عالية المخاطر بأسعار أعلى بنسبة 44%، بفضل إطلالتها على خليج تشيسابيك.
وفي مقاطعة لانو بولاية تكساس، يبلغ سعر هذه المنازل ضعف المنازل الأقل خطراً، نتيجة الإقبال على المزارع والأنهار والمناظر الطبيعية.
أما في مونتانا، فتزيد أسعار المنازل الواقعة قرب المتنزهات الوطنية والبحيرات بنسبة 55%، مع استمرار ارتفاع الطلب عليها.
دعوات لتعزيز الشفافية
واختتم التقرير بالتأكيد على أن الهدف ليس منع المواطنين من شراء منازل في المناطق المعرضة للمخاطر، وإنما تمكينهم من اتخاذ قرارات واعية عبر توفير معلومات واضحة عن التكاليف المستقبلية المرتبطة بالتغير المناخي.
وأكد معدو التقرير أن الإفصاح المبكر عن المخاطر المناخية يمنح المشترين صورة مالية أكثر اكتمالاً، تشمل احتمالات ارتفاع التأمين، ورسوم الجمعيات السكنية، وتكاليف الكوارث المحتملة، بدلاً من اكتشاف هذه الأعباء بعد سنوات من شراء المنزل، عندما تصبح معالجتها أكثر صعوبة.
تعليقات الزوار